في قلب مدينة غزة، وبين ركام المباني وذكريات الألم والفقد، تتواصل محاولات إنقاذ ما تبقى من المنظومة الصحية الفلسطينية عبر إعادة إحياء مجمع الشفاء الطبي، أكبر مستشفيات القطاع وأكثرها رمزية. ورغم مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة التي شنها الاحتلال، ما تزال الجهود تصطدم بعقبات جسيمة، في مقدمتها الحصار، ومنع إدخال المعدات، والتعنت الإسرائيلي المستمر تجاه الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

استهداف ممنهج للقطاع الصحي

لم يكن تدمير مجمع الشفاء حدثًا عابرًا في سياق الحرب، بل جاء ضمن سياسة ممنهجة استهدفت القطاع الصحي برمته. فقد تعرض المجمع لاقتحامين واسعين في نوفمبر 2023 ومارس 2024، نتج عنهما تدمير شبه كامل للبنية التحتية والمرافق الطبية.

هذا الاستهداف لم يقتصر على المباني، بل شمل الأجهزة الحيوية، والمختبرات، وغرف العمليات، ومراكز التدريب، ما أدى إلى شلل شبه تام في قدرة المجمع على أداء دوره الطبيعي، وحوّله من صرح طبي متكامل إلى منشأة إسعافية محدودة الإمكانات.

إعمار محدود في ظل حصار خانق

يؤكد مدير عام مجمع الشفاء، الدكتور محمد أبو سلمية، أن جهود الإعمار انطلقت منذ سبتمبر 2024، رغم غياب الحد الأدنى من مقومات العمل. وتمكنت الإدارة، بجهود ذاتية ودعم محدود، من إعادة تشغيل بعض الأقسام، ليصل عدد الأسرة المتاحة إلى 300 من أصل 700، و10 غرف عمليات من أصل 22.

لكن هذه الإنجازات تظل محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات. فغياب أجهزة التصوير المقطعي، والرنين المغناطيسي، وأجهزة القسطرة القلبية، وأدوات تشخيص السرطان، يجعل من العمل الطبي عملية محفوفة بالمخاطر، ويضع الأطباء أمام خيارات قاسية بين الإمكانيات المتاحة وحياة المرضى.

مرضى بلا خيارات علاجية

تسببت الحرب والحصار في حرمان آلاف المرضى من أبسط حقوقهم في العلاج. وتشير البيانات إلى وجود أكثر من 4 آلاف مريض سرطان بلا رعاية مناسبة، وآلاف الأطفال بحاجة إلى علاج خارج القطاع، دون أي إمكانية واقعية للسفر.

كما تراكمت عشرات الآلاف من العمليات الجراحية المؤجلة، نتيجة نقص الأدوات والتجهيزات، وتحول المستشفيات إلى مراكز طوارئ فقط. وفي ظل هذا الواقع، يصبح المرض حكمًا مؤجلًا بالموت، لا بسبب غياب الكفاءات، بل لانعدام الإمكانيات.

أزمة أدوية ومستلزمات تهدد الحياة

تعاني غزة من نقص حاد في الأدوية الأساسية، تجاوز 47 بالمئة، فيما تفتقد المختبرات إلى أكثر من 80 بالمئة من مستلزماتها. ووصلت بعض أدوية إنقاذ الحياة إلى مستويات صفرية، ما يهدد المرضى المصابين بأمراض مزمنة وقلبية وسرطانية.

كما يفتقد القطاع إلى معظم أدوية العلاج الكيماوي، ومستلزمات جراحة القلب، وعمليات العظام، ما يحوّل العلاج إلى عملية بدائية، تعتمد على الاجتهاد أكثر من العلم، في مشهد يعكس انهيارًا صحيًا شبه كامل.

ضحايا الغسيل الكلوي وأمراض القلب

من أكثر المؤشرات مأساوية، وفاة نحو 600 مريض من أصل 1200 كانوا يعتمدون على غسيل الكلى، نتيجة نقص المواد الطبية وقطع الغيار. كما يواجه مرضى القلب خطر الموت اليومي، في ظل غياب الدعامات والبالونات القلبية.

هذه الأرقام لا تعكس فقط أزمة صحية، بل تكشف عن سياسة ممنهجة لحرمان المدنيين من حقهم في الحياة، عبر أدوات غير عسكرية، تتجسد في الحصار والتجويع الطبي.

المنظمات الدولية أمام قيود الاحتلال

رغم وجود عشرات المنظمات الدولية العاملة في غزة، فإن قدرتها على التدخل تبقى مقيدة بشدة. فمئات الشاحنات المحملة بالمساعدات تقف على مقربة من القطاع، دون السماح لها بالدخول.

كما يتعرض العاملون في المجال الإنساني للتهديد والتضييق، وسط تحذيرات بإغلاق عدد من المؤسسات، ما يضاعف العبء على وزارة الصحة ويعمّق الأزمة القائمة.

التعنت الإسرائيلي وعرقلة التعافي الصحي

يمثل التعنت الإسرائيلي العقبة الأساسية أمام أي محاولة حقيقية لإعادة بناء المنظومة الصحية. فمنع إدخال الأجهزة، وتأخير المساعدات، وفرض قيود مشددة على الإعمار، يعكس سياسة واضحة لإبقاء القطاع في حالة انهيار دائم.

ولا يبدو أن هذا التعنت مرتبط بضرورات أمنية بقدر ما هو جزء من استراتيجية ضغط جماعي، تستخدم فيها الصحة والدواء كأدوات عقاب سياسي، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

جهود إنقاذ لا تعويض حقيقي

ما يجري اليوم في مجمع الشفاء لا يمكن وصفه بإعادة إعمار حقيقية، بل هو أقرب إلى عمليات إسعاف مؤقتة تهدف فقط إلى منع الانهيار الكامل. فترميم الجدران دون تجهيزها بالأدوات اللازمة لا يصنع مستشفى، بل مجرد مبنى بلا روح.

ويؤكد القائمون على المجمع أن الهدف هو إعادة الشفاء إلى مكانته كمنارة طبية وتعليمية، تخدم أهل غزة وتؤهل أجيالًا جديدة من الأطباء، لكن ذلك يظل مرهونًا برفع القيود وفتح المعابر.

خاتمة: معركة الحياة في مواجهة الحصار

تجسد معركة إعادة إحياء مجمع الشفاء صراع الفلسطينيين اليومي من أجل البقاء. فهي ليست معركة إسمنت وحديد، بل معركة كرامة وحق في العلاج والحياة.

وفي ظل استمرار التعنت الإسرائيلي، يبقى القطاع الصحي في غزة رهينة لقرارات سياسية جائرة، يدفع ثمنها المرضى والأطفال وكبار السن. ورغم ذلك، يواصل الأطباء والإداريون عملهم بإيمان عميق بأن حماية الحياة واجب لا يسقط، مهما بلغت قسوة الظروف، وأن الأمل، رغم كل شيء، ما يزال ممكنًا.

اقرأ أيضًا : قاضٍ أمريكي يُبطل محاكمة طلاب ستانفورد المتضامنين مع غزة