في تطور قانوني لافت، أعلن قاضٍ أمريكي بطلان المحاكمة في قضية خمسة طلاب حاليين وسابقين في جامعة ستانفورد، وُجهت إليهم تهم جنائية على خلفية احتجاجات تضامنية مع غزة في صيف عام 2024. وجاء القرار بعد أن عجزت هيئة المحلفين عن التوصل إلى حكم نهائي، إثر مداولات استمرت خمسة أيام، في قضية اعتُبرت من أبرز القضايا التي اختبرت حدود حرية التعبير والاحتجاج السياسي داخل الجامعات الأمريكية منذ اندلاع الحرب على القطاع.
المحاكمة، التي جرت في مقاطعة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا، استمرت ثلاثة أسابيع وشهدت نقاشًا قانونيًا مكثفًا بين الادعاء والدفاع حول ما إذا كان ما قام به الطلاب يندرج ضمن الاحتجاج السلمي المحمي دستوريًا، أم أنه تجاوز ذلك إلى أفعال تخريبية تستوجب العقاب الجنائي. وفي نهاية المطاف، صوّت تسعة من أصل اثني عشر محلفًا لصالح الإدانة في تهمة التخريب، وثمانية لصالح الإدانة في تهمة التآمر للتعدي على ممتلكات الغير، غير أن هذه النسب لم تبلغ الحد القانوني المطلوب لإصدار حكم، ما دفع القاضي إلى إعلان بطلان المحاكمة وصرف هيئة المحلفين.

خلفيات الواقعة: احتجاج داخل مكاتب الإدارة
تعود أحداث القضية إلى الخامس من حزيران/ يونيو 2024، وهو اليوم الأخير من الفصل الدراسي الربيعي في الجامعة، حين تحصّن عدد من الطلاب داخل مكاتب رئيس الجامعة ونائبه لساعات، في إطار احتجاج على الحرب الإسرائيلية في غزة، ورفضًا لما وصفوه بـ”تواطؤ المؤسسات الأكاديمية” مع السياسات الداعمة لإسرائيل.
ووفقًا للادعاء، قام المحتجون برش الطلاء على جدران المبنى، وكسر نوافذ وأثاث، وتعطيل كاميرات المراقبة، إضافة إلى رش سائل أحمر اللون قيل إنه دم مزيف، في محاولة رمزية لتجسيد مشاهد القتل في غزة. وقدّرت السلطات حجم الأضرار بأكثر من 300 ألف دولار.
في المقابل، دفع فريق الدفاع بأن الاحتجاج كان تعبيرًا سياسيًا مشروعًا، وأنه لم يثبت وجود نية جنائية لإتلاف الممتلكات، مشيرًا إلى أن الطلاب ارتدوا معدات واقية وأغلقوا الأبواب خشية تعرضهم للقوة المفرطة من الشرطة أو الأمن الجامعي. كما أكد الدفاع أن الأدلة لم تُثبت بشكل قاطع مسؤولية المتهمين الفردية عن أعمال التخريب المزعومة.
حرية التعبير أم تجاوز قانوني؟
أعادت القضية إلى الواجهة النقاش القديم الجديد في الولايات المتحدة حول حدود حرية التعبير، خاصة في الحرم الجامعي. فالجامعات الأمريكية لطالما كانت ساحة للحراك السياسي، من احتجاجات حرب فيتنام إلى التحركات المناهضة للتمييز العنصري، وصولًا إلى التضامن مع فلسطين في السنوات الأخيرة.
غير أن احتجاجات 2024 جاءت في سياق أكثر استقطابًا، إذ شهدت جامعات عدة حملات اعتقال، وإجراءات تأديبية، وتهديدات بسحب التمويل، بل ودعوات في بعض الولايات لتجريم بعض أشكال المقاطعة أو الاحتجاج المرتبطة بإسرائيل. وفي هذا المناخ، اعتبر مراقبون أن ملاحقة طلاب ستانفورد جنائيًا تمثل تصعيدًا غير معتاد، خاصة أن غالبية الاحتجاجات الجامعية السابقة كانت تُعالج إداريًا لا عبر المحاكم الجنائية.
قرار بطلان المحاكمة لا يعني تبرئة المتهمين، لكنه يعكس انقسامًا عميقًا داخل هيئة المحلفين حول توصيف أفعالهم. فبينما رأى بعض المحلفين أن ما حدث تخريب واضح، اعتبر آخرون أن السياق السياسي والرمزي للاحتجاج يضعف الركن الجنائي في القضية.
تهديد بإعادة المحاكمة ورسائل سياسية
أعلن المدعي العام لمقاطعة سانتا كلارا، جيف روزن، عزمه السعي لإعادة المحاكمة، مؤكدًا أن القضية تتعلق بتدمير ممتلكات عامة وخاصة وإلحاق أضرار بمئات آلاف الدولارات، وهو ما يستدعي – من وجهة نظره – مساءلة قانونية واضحة. ويعني ذلك أن الطلاب قد يواجهون جولة قضائية جديدة، مع احتمال التعرض لعقوبة تصل إلى ثلاث سنوات سجن في حال الإدانة، إضافة إلى تعويضات مالية كبيرة.
لكن على الجانب الآخر، رأى الطلاب ومحاموهم أن فشل الادعاء في انتزاع إدانة بعد ثلاثة أسابيع من المحاكمة يعكس ضعف الملف، وأن محاولة إعادة المحاكمة قد تُفسَّر باعتبارها رسالة ردع موجهة إلى بقية النشطاء في الجامعات الأمريكية.
أحد المتهمين، جيرمان غونزاليس، صرّح عقب الجلسة بأن مكتب المدعي العام كان مدعومًا – على حد قوله – من مؤسسات تمتلك مليارات الدولارات، ومع ذلك لم يتمكن من تأمين إدانة. وأضاف أن القضية بالنسبة لهم تتجاوز حدود الجامعة، وترتبط بما يحدث في فلسطين.
إجراءات أوسع ضد مؤيدي فلسطين في الغرب
لا يمكن قراءة هذه القضية بمعزل عن سياق أوسع يشهد إجراءات متزايدة ضد مؤيدي فلسطين في عدد من الدول الغربية. ففي الولايات المتحدة وأوروبا، سُجّلت حالات طرد طلاب، وفرض عقوبات تأديبية، ومنع فعاليات، وحتى استدعاءات أمنية على خلفية شعارات أو منشورات تضامنية مع غزة.
وفي بعض الحالات، وُجهت اتهامات بمعاداة السامية إلى مجموعات طلابية لمجرد انتقادها السياسات الإسرائيلية، ما أثار جدلًا حول الخلط بين نقد دولة وسياساتها وبين الكراهية الدينية أو العرقية. كما أثيرت مخاوف من توسيع تعريفات قانونية قد تُستخدم لتقييد أنشطة المقاطعة أو الاحتجاج السياسي.
قضية طلاب ستانفورد تعكس هذا المناخ المتوتر، حيث تتقاطع السياسة مع القانون، وتتحول ساحات التعليم إلى ميادين صراع رمزي حول السرديات والحقوق. وبينما لم يُحسم الملف بعد، فإن قرار بطلان المحاكمة يشير إلى أن المجتمع الأمريكي نفسه منقسم حول كيفية التعامل مع موجة الاحتجاجات الداعمة لغزة.
في نهاية المطاف، قد تتجاوز أهمية هذه القضية مصير خمسة طلاب، لتصبح اختبارًا لمعادلة دقيقة: كيف يمكن حماية الممتلكات العامة والنظام القانوني، دون التضييق على الحق في الاحتجاج والتعبير، خاصة في زمن تتشابك فيه القضايا المحلية بالصراعات الدولية؟
اقرأ أيضًا : السيسي وسيطًا مأزومًا بين الرياض وأبوظبي وسط اتهامات بالخضوع والإذلال السياسي