في مشهد يختزل المأساة الإنسانية التي تعصف بقطاع غزة، كشفت الأمم المتحدة أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قتلت خلال يومين فقط 105 فلسطينيين وأصابت أكثر من 680 آخرين، خلال محاولتهم الوصول إلى المساعدات الغذائية شمالي وجنوبي القطاع. 

هذه الأرقام المفزعة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تشير بوضوح إلى اعتماد إسرائيل سياسة ممنهجة من “التجويع كأسلوب للحرب”، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي، وإمعان في إذلال السكان وتجريدهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.

وقائع المجزرة.. قنص الباحثين عن الخبز

بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن عمليات القتل وقعت على امتداد طريقي المساعدات في منطقتي زيكيم شمال غزة وموراغ جنوب خان يونس، في يومي 30 و31 يوليو/تموز. الضحايا لم يكونوا في ساحات معركة، بل في طوابير انتظار طويلة للمساعدات الغذائية التي تحولت إلى أفخاخ موت.

ومن اللافت أن هذه المجزرة جاءت بعد إعلان الجيش الإسرائيلي – قبل أيام فقط – عن “توقف مؤقت للعمليات العسكرية” في بعض مناطق غزة خلال ساعات محددة، لتحسين الاستجابة الإنسانية. لكن الوقائع على الأرض نسفت هذا الإعلان، حيث تحوّلت مناطق الهدنة إلى مصائد مكشوفة، يطلق فيها الرصاص من مسافات قريبة، ويُستخدم القصف لترهيب المدنيين وتفريقهم.

وبحسب مكتب حقوق الإنسان الأممي، فإن عدد من قتلوا أثناء بحثهم عن الغذاء منذ 27 مايو/أيار بلغ ما لا يقل عن 1,373 شخصًا، بينهم 859 في محيط “مؤسسة غزة الإنسانية” – الكيان الإسرائيلي الأمريكي الذي تولى توزيع المساعدات بدلًا من الأمم المتحدة – و514 آخرين على امتداد الطرق المؤدية إليها. وهذه الحصيلة تعكس نمطًا ممنهجًا من الاستهداف، لا يمكن اعتباره حادثًا عرضيًا أو أضرارًا جانبية.

سياسة التجويع.. سلاح الاحتلال الجديد

تشير المعطيات الأممية بشكل لا لبس فيه إلى أن ما يجري في غزة هو “كارثة من صنع الإنسان”، ناجمة عن سياسات إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى استخدام الجوع كوسيلة ضغط عسكري. وبحسب التقرير، فإن التجويع لا يحدث فقط عبر منع دخول المساعدات، بل يترافق مع قنص وقتل كل من يحاول الوصول إليها، وهو ما يمثل استخدامًا مزدوجًا للجوع كسلاح ميداني ونفسي.

ويحذر المكتب الأممي من أن الضحايا لا يقتصرون على الشهداء والجرحى المباشرين، بل تشمل القائمة المتزايدة من الأطفال وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة، الذين يموتون ببطء بسبب سوء التغذية وغياب الرعاية الطبية. وفي ظل غياب نظام توزيع منظم للإغاثة، وبعد تدمير معظم البنية التحتية، صار الوصول إلى الطعام والدواء ضربًا من المحال.

وبهذا السياق، يضيف التقرير تحذيرًا صريحًا بأن حرمان المدنيين من الموارد الأساسية لبقائهم على قيد الحياة، وعرقلة وصول الإغاثة، واستخدام التجويع كسلاح، تمثل جميعها جرائم حرب، بل قد ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ما ارتكبت بشكل ممنهج أو واسع النطاق.

 الرد الدولي.. صمت ثقيل وغضب شعبي متصاعد

رغم وضوح الأدلة وفظاعة الجرائم، ما تزال المواقف الدولية الرسمية محصورة في نطاق التصريحات الشاحبة. فحتى الآن، لم نشهد تحركًا فعليًا من المؤسسات الأممية الكبرى لمحاسبة الاحتلال على هذه السياسات، ولا فرض إجراءات عقابية تردع هذه الانتهاكات الممنهجة.

وفي المقابل، تتصاعد حملات الغضب الشعبي في العديد من العواصم العالمية، حيث بدأت تتشكل حركات ضغط من ناشطين ومنظمات حقوقية تدعو إلى إحالة هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، ووقف الدعم العسكري والسياسي الذي تحظى به إسرائيل من بعض القوى الكبرى.

كما طالب مسؤولون حقوقيون بضرورة إعادة الإشراف الدولي على توزيع المساعدات في غزة، بعد أن تخلّت المؤسسات الأممية تحت الضغط الإسرائيلي عن مسؤولياتها، وتم تسليم المهمة إلى “مؤسسة غزة الإنسانية” – وهي واجهة دعائية لإسرائيل والولايات المتحدة – والتي تحولت إلى بؤرة للقتل بدلاً من أن تكون مركزًا للإغاثة.

خاتمة تحليلية: من الموت بالقصف إلى الموت بالجوع

تحوّلت غزة في الأشهر الأخيرة إلى ساحة اختبار مروعة لسياسات عسكرية غير مسبوقة، حيث لم يعد الموت مقصورًا على الغارات أو الاجتياحات، بل بات الجوع نفسه أداة قتل ممنهجة. ومع التوثيق الأممي الصريح لهذه الجرائم، فإن صمت المجتمع الدولي لا يرقى فقط إلى التواطؤ، بل يشكل جزءًا من منظومة الجريمة.

لقد أثبتت إسرائيل – مرارًا – أنها تستخدم الحرب لا لردع خصومها فحسب، بل لتفكيك بنية المجتمع الفلسطيني نفسيًا واجتماعيًا عبر سياسات التجويع والإذلال، في مشهد يعيد إلى الأذهان حصارات العصور الوسطى، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين. ويبقى السؤال: كم من الفلسطينيين يجب أن يموتوا جوعًا قبل أن يتحرك ضمير العالم؟

اقرأ أيضًا : كندا تُشعل موجة اعترافات بدولة فلسطين: تحول دبلوماسي مشروط وتضييق على المقاومة