أثار إعلان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني نية بلاده الاعتراف بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل جدلًا واسعًا، بين من يراه تقدمًا دبلوماسيًا لصالح الحقوق الفلسطينية، ومن يراه خطوة مشروطة تهدف لفرض صيغة محددة للحل تتجاهل قوى المقاومة وتُعيد إنتاج “السلطة” كوكيل سياسي هشّ.

فكارني لم يخفِ أن هذا الاعتراف لن يكون مجانيًا، بل مرتبطًا بشروط قاسية تتضمن إصلاحات في “الحوكمة”، وإجراء انتخابات يُقصى منها طرف أساسي في الساحة الفلسطينية، وهو حركة حماس. فهل نحن أمام اعتراف حقيقي، أم محاولة لاحتواء القضية؟

اعتراف مشروط.. وقيود كندية على السيادة الفلسطينية

لم يكن إعلان كندا نيتها الاعتراف بدولة فلسطين مفاجئًا فقط من حيث التوقيت، بل من حيث المضمون المشروط والموجّه سياسيًا. فقد شدد كارني على أن الاعتراف مرهون بإصلاحات في بنية السلطة الفلسطينية، وفي مقدمتها تنظيم انتخابات تُقصى منها حركة حماس، القوة التي تمثل شريحة كبيرة من الشعب الفلسطيني، والتي فازت بأغلبية ديمقراطية في انتخابات 2006. هذا الشرط وحده يُفرغ الاعتراف من معناه السيادي، ويحوّله إلى أداة ضغط لإعادة تشكيل الساحة الفلسطينية وفق الرؤية الغربية.

كما أنه يأتي في وقت تصاعد فيه الغضب الدولي من جرائم الاحتلال في غزة، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الاعتراف هو استجابة أخلاقية متأخرة، أم مجرد أداة ضغط لتحييد المقاومة، وتلميع صورة الغرب بعد صمت طويل على المجازر.

فرنسا وبريطانيا.. حراك دبلوماسي متصاعد ولكن براغماتي

ترحيب فرنسا بالخطوة الكندية، وإعلان بريطانيا اعتزامها الاعتراف بدولة فلسطين في أيلول/سبتمبر إن لم يلتزم الاحتلال بشروط إنسانية وسياسية محددة، يؤشر على تحوّل نسبي في المزاج الغربي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لكن هذا التحول يظل مشروطًا وغير جذري، إذ لا يُهدد فعليًا بفرض عزلة على الاحتلال أو سحب الشرعية عن جرائمه في غزة والضفة.

فرنسا عبّرت عن استعدادها للعمل مع كندا لإحياء عملية السلام، وهو الخطاب التقليدي الذي لم يحقق أي تقدم منذ عقود. أما بريطانيا، فقد ربطت اعترافها بوقف العدوان، وعدم ضم الضفة، والمضي في حل الدولتين، وهي شروط إن لم تتحقق، فلن يكون الاعتراف سوى ورقة ضغط مؤقتة، وليست قطيعة مع الاحتلال.

وبينما تُظهر لندن استعدادًا لتحريك الملف الفلسطيني، إلا أنها لا تتحدث عن محاسبة جنائية أو وقف صفقات السلاح، ما يجعل الاعتراف أقرب إلى ورقة تجميلية.

موقف أمريكي صارم وتحريض صريح ضد حماس

في المقابل، أظهر البيت الأبيض عبر تصريحات مسؤول مجهول -نيابة عن الرئيس ترامب- موقفًا أكثر وضوحًا في معاداته لأي اعتراف بدولة فلسطينية في ظل وجود حركة حماس، واعتبر أن الاعتراف سيكون “مكافأة” للحركة. هذا التصريح يعكس ليس فقط الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل، بل أيضًا السعي لإقصاء المقاومة عن أي مسار سياسي.

اللافت أن واشنطن تحاول الظهور بمظهر “الفاعل الإنساني”، حيث قال المسؤول إن الرئيس يركز على إدخال الغذاء إلى غزة، وهو خطاب يتناقض تمامًا مع الدعم العسكري والسياسي المطلق الذي قدمته الإدارة الأمريكية لآلة الحرب الإسرائيلية، والتي قتلت آلاف المدنيين وفرضت مجاعة ممنهجة.

هذا التناقض يُظهر أن الإدارة الأمريكية تُوظف البُعد الإنساني كغطاء لاستمرار دعمها للاحتلال، مقابل الضغط على أي أطراف غربية تحاول حتى مجرد الإشارة إلى الاعتراف بحقوق الفلسطينيين.

هل يُمثّل الاعتراف خطوة نحو العدالة أم محاولة لترويض القضية؟

رغم أن الاعتراف بدولة فلسطين من قبل كندا، وربما بريطانيا لاحقًا، يُمثّل نقلة دبلوماسية مقارنة بسنوات من الصمت الغربي، إلا أن الشروط المرافقة له تُثير الشكوك حول دوافعه الحقيقية. فغياب أي محاسبة حقيقية للاحتلال، واستمرار التنديد بالمقاومة وفرض استبعادها من المشهد، يعكس رؤية غربية مشوهة تعتبر الاحتلال شرعيًا، والمقاومة تهديدًا.

وفي ظل إعلام غربي لا يزال في معظمه يُقدّم الرواية الإسرائيلية على أنها الحقيقة، ويُغيب جرائم الحرب في غزة أو يُبررها، فإن هذه الاعترافات المتأخرة تبدو أقرب لمحاولة امتصاص الغضب الشعبي العالمي، لا لتعزيز الحقوق الفلسطينية الحقيقية.

القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى اعتراف مشروط، بل إلى عدالة غير انتقائية، وإلى اعتراف بحرية الشعب في اختيار قيادته ومقاومة من يحتله. فهل تتحول هذه الاعترافات إلى منصة ضغط على الاحتلال، أم إلى مشروع تصفية ناعم للمقاومة تحت شعار “الشرعية الدولية”؟

الأشهر القادمة، ونتائج أيلول، ستكشف ما إذا كانت هذه الاعترافات بداية صحوة ضمير، أم مجرد إعادة إنتاج للفشل الدبلوماسي.

اقرأ أيضًا : العراق يمنع استهداف “إسرائيل”.. بوابة لحماية الاحتلال أم درع للسيادة؟