في جريمة وُصفت بأنها “الأوسع في استهداف الصحفيين خلال أي حرب في العصر الحديث”، اتهمت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) جيش الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب “جريمة وحشية تتجاوز كل حدود الفاشية والإجرام”، إثر استهداف خيمة الصحفيين في باحة مستشفى الشفاء غرب مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد خمسة إعلاميين فلسطينيين، بينهم مراسلا قناة الجزيرة أنس الشريف ومحمد قريقع.

جريمة استهداف الإعلام.. رسالة لإسكات الحقيقة

في بيان رسمي صدر الأحد، أكدت حماس أن الغارة الإسرائيلية التي نُفذت عبر طائرة مسيرة، أسفرت أيضاً عن استشهاد المصورين إبراهيم ظاهر ومؤمن عليوة، ومساعد المصور محمد نوفل، لترتفع حصيلة الصحفيين الذين قضوا في غزة منذ اندلاع العدوان إلى 232 صحفياً، في حصيلة غير مسبوقة عالمياً.

وأشارت الحركة إلى أن الشهيد أنس الشريف كان “صوت غزة الحر”، الذي كرّس حياته لكشف جرائم التجويع والمجاعة التي يفرضها الاحتلال على المدنيين في القطاع، رغم المخاطر والتهديدات المباشرة التي تلقاها. كما أوضحت أن قريقع كان من أبرز المراسلين الميدانيين الذين نقلوا للعالم صور المأساة من قلب الحدث، ولم يتوقف عن العمل حتى لحظة استشهاده.

وأكدت حماس أن الاحتلال سبق وأن أطلق تهديدات علنية ضد عدد من الصحفيين الفلسطينيين، بينهم الشهيدان الشريف وقريقع، في محاولة لردعهم عن فضح جرائمه، معتبرة أن استهدافهم بهذا الشكل هو محاولة منظمة لطمس الحقيقة، وتهيئة الأجواء لارتكاب مجازر جديدة في غزة بعيداً عن كاميرات الإعلام.

تمهيد لمجزرة كبرى؟

تربط حماس بين هذه الجريمة وبين تصعيد عسكري وشيك في غزة، مشيرة إلى أن “إخلاء الساحة الإعلامية” من الصحفيين المستقلين يُعدّ مؤشراً خطيراً على نية الاحتلال ارتكاب مجزرة واسعة بحق المدنيين، في ظل استمرار الحصار الشامل والقصف المكثف منذ أكثر من 22 شهراً.

ويرى محللون أن هذه الحادثة تندرج ضمن سياسة إسرائيلية قديمة تستهدف تغييب الشهود الميدانيين، خصوصاً بعد أن كشفت تقارير صحفية دولية توثيق جرائم الإبادة في شمال القطاع، وهو ما شكل ضغطاً على حكومة الاحتلال في المحافل الدولية.

كما أن استهداف الصحفيين في مستشفى الشفاء له دلالات خاصة، إذ يُعتبر هذا المستشفى رمزاً للصمود في غزة، وكان مركزاً لعمل العشرات من الصحفيين لتغطية الأوضاع الإنسانية المتدهورة، ما يجعل ضربه في هذا التوقيت خطوة متعمدة لشل العمل الإعلامي في المنطقة.

سجل أسود في استهداف الإعلام

منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، تكررت عمليات استهداف الصحفيين بشكل ممنهج، سواء عبر القصف المباشر لمكاتبهم ومنازلهم، أو عبر استهدافهم أثناء أداء مهامهم الميدانية. وقد وثقت منظمات حقوقية مثل “مراسلون بلا حدود” و”اللجنة الدولية لحماية الصحفيين” عشرات الانتهاكات المميتة التي طالت الإعلاميين الفلسطينيين.

وتؤكد هذه المنظمات أن ما يجري في غزة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يمنح الصحفيين حماية خاصة باعتبارهم مدنيين، مشددة على أن قتلهم المتعمد يرقى إلى جريمة حرب تستوجب الملاحقة القضائية الدولية.

ردود فعل ودعوات للتحقيق

طالبت حماس المجتمع الدولي، ومجلس الأمن على وجه الخصوص، بإدانة الجريمة الإسرائيلية الأخيرة، والتحرك العاجل لوقف ما وصفته بـ”الانتهاكات غير المسبوقة ضد الصحافة”، مؤكدة أن صمت المجتمع الدولي يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر لمواصلة جرائمه.

كما دعت الحركة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية حول العالم إلى توسيع دائرة التغطية لفضح جرائم الاحتلال، وعدم الرضوخ لمحاولات الترهيب، مشيرة إلى أن الشهداء الخمسة انضموا إلى قائمة طويلة من الإعلاميين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكلمة الحق.

أنس الشريف ومحمد قريقع.. أيقونات الميدان

الشهيد أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، كان من أوائل المراسلين الذين يتجهون إلى مناطق القصف فور وقوعها، خاصة في شمال القطاع، لنقل الحقيقة بالصوت والصورة، متحدياً المخاطر اليومية. وقد اشتهر بمقولته الأخيرة قبل استشهاده: “لن أخرج من غزة إلا إلى الجنة”، التي تحولت إلى وسم متداول على منصات التواصل.

أما محمد قريقع، فكان زميلاً في الميدان، رافق الأحداث منذ الساعات الأولى للعدوان، ونقل قصص الناجين والمصابين من قلب المستشفيات والمناطق المدمرة، في مشاهد شكلت توثيقاً حياً لجرائم الحرب.

خاتمة

يمثل اغتيال أنس الشريف ومحمد قريقع ورفاقهم محطة فارقة في سجل الانتهاكات الإسرائيلية بحق الإعلام الفلسطيني، ويعكس إصرار الاحتلال على إسكات الأصوات التي تنقل الحقيقة من قلب غزة. وفي ظل المؤشرات المتزايدة على مجزرة وشيكة، تصبح مسؤولية المجتمع الدولي والإعلام العالمي مضاعفة، ليس فقط لتوثيق الجرائم، بل للتحرك الفعلي لوقفها قبل أن تتحول غزة إلى مسرح لجريمة جديدة تُرتكب في الظلام.

اقرأ أيضًا : الإمارات تؤجج الكارثة: 30 مليون سوداني بحاجة لمساعدات عاجلة وسط حرب مدمرة