تتجه الأنظار مجدداً نحو مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، حيث تتهم حركة المقاومة الإسلامية “حماس” جيش الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ عملية تصفية ممنهجة لمقاتليها المحاصرين داخل شبكة الأنفاق، في خرقٍ واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته أطراف إقليمية ودولية.
وفي بيان ناري حمل لهجة تحذير شديدة، قالت الحركة إنها بذلت جهوداً كبيرة طوال الشهر الماضي عبر قنوات اتصال مكثفة مع قيادات سياسية ووسطاء لحل ملف هؤلاء المقاتلين، إلا أن الاحتلال اختار – بحسب تعبيرها – “لغة القتل والملاحقة والاعتقال” بدلاً من الاستجابة لمسار تفاوضي كان من المفترض أن يعيد هؤلاء المقاتلين إلى بيوتهم ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار.
وتشير الحركة إلى أن تصعيد الاحتلال داخل الأنفاق، واستخدامه وسائل جوية وبرية لتعقب المقاومين، يمثل “جريمة جديدة” تهدد بانهيار الاتفاق. كما حملت حماس الاحتلال “المسؤولية الكاملة عن حياة مجاهدينا”، مطالبة الوسطاء بالتحرك العاجل والضغط على حكومة الاحتلال “لمنع إعدام الاتفاق على الأرض”.
ورغم أن الولايات المتحدة تُعدّ أحد أبرز الضامنين للاتفاق، تؤكد حماس أنها نقلت للأمريكيين والوسطاء كل الخطط الممكنة لمعالجة ملف المقاتلين المحاصرين، لكن ردّ الاحتلال جاء على شكل توغلات وقصف وتصفية واعتقال، وهو ما اعتبرته الحركة “إجهاضاً كاملاً للجهود الدولية”.

تكشفات إسرائيلية: الأنفاق معقّدة والمقاتلون لا يستسلمون
في موازاة موقف حماس، نشرت صحيفة “هآرتس” العبرية تقريراً لافتاً سلّط الضوء على صعوبة المعركة التي يخوضها الجيش داخل رفح. وبحسب ما نقلته الصحيفة عن ضباط ميدانيين، على رأسهم ضابط برتبة عقيد، فإن مقاتلي حماس “لا يستسلمون” رغم مرور عامين على الحرب ورغم استخدام جميع أساليب القتال الإسرائيلية داخل الأنفاق.
ويقول الضابط إن الجيش قتل واعتقل عدداً من المقاتلين، إلا أن تحديد مواقعهم لا يزال معقداً للغاية، مضيفاً أن المقاتلين ينتمون على الأرجح إلى وحدة تابعة لحماس في رفح، لكنّ الجيش “لم يواجهها في البداية”. ويصف الضابط الأنفاق بأنها “شبكة واسعة وليست نفقاً واحداً”، وأن العملية تتطلب تحديد المسارات والفتحات بدقة، وهو ما يزيد التعقيدات الميدانية.
ويضيف الضابط أن الهدف المعلن للجيش هو إجبار المقاتلين على التجمع في نقطة واحدة تحت الأرض، ثم مهاجمتهم في حال رفضوا الاستسلام. لكنه يعترف بأن هذا الهدف لا يزال بعيداً عن التحقق، مؤكداً أن المقاتلين “يصعدون أحياناً للتنفس أو لجلب الطعام والمعدات، لكنهم يعودون بسرعة، والجيش يواصل البحث في مهمة لا تبدو قريبة من النهاية”.
هذا الاعتراف الإسرائيلي يتقاطع مع رواية حماس التي أكدت أن مقاتليها “نموذج في التضحية والصبر”، وأن استمرار ملاحقتهم يشكل خرقاً للاتفاق، ومحاولة من الاحتلال لـ”تدمير” جهود الوسطاء بشكل كامل.
ضعف الوسطاء: اتفاق بلا قوة إلزامية وتحلل إسرائيلي من العهد
الرسالة التي توجهها حماس للوسطاء تحمل في طياتها انتقاداً مباشراً للدور الإقليمي والدولي الذي بدا عاجزاً عن فرض احترام الاتفاق، خصوصاً في ضوء تكرار الخروقات الواسعة داخل رفح.
وتشير الحركة ضمناً إلى أن الوسطاء – مصر، قطر، والولايات المتحدة – لا يمارسون ضغطاً كافياً على الاحتلال لوقف عملياته، رغم أنهم صاغوا تعهدات واضحة حول حماية المقاتلين المحاصرين ضمن إطار وقف إطلاق النار.
ويبدو الانتقاد الأبرز موجهاً نحو الإدارة الأمريكية التي وصفها بيان حماس بأنها “أحد ضامني الاتفاق”، لكن الاحتلال – وفق البيان – “نسف كل الجهود رغم التواصل الكامل مع الأمريكيين”، وهو ما يجعل واشنطن في موقف محرج باعتبارها الطرف القادر نظرياً على إلزام إسرائيل لكنها لا تفعل.
هذا الضعف في موقف الوسطاء يعيد طرح الأسئلة حول قيمة أي اتفاق لا يمتلك آلية إلزام واضحة، خصوصاً في ظل حكومة إسرائيلية تعتمد على العمليات العسكرية الداخلية لتعويض فشلها الاستراتيجي، وتبحث عن “انتصار معنوي” في الأنفاق بعد الفشل في تحرير الأسرى أو تصفية البنية القيادية لحماس.
ويرى مراقبون أن الاحتلال يعتبر ملف المقاتلين المحاصرين فرصة لإظهار الحسم العسكري، بينما يعتبرته حماس محاولة لاغتيال الاتفاق والالتفاف على المسار السياسي. وفي ظل غياب تدخل حاسم من الوسطاء، يصبح الاتفاق أقرب إلى وثيقة شكلية لا تمنع الجيش من تنفيذ مخططاته.
ومن زاوية أعمق، يعكس المشهد انهيار الثقة بين المقاومة الفلسطينية والوسطاء، إذ ترى حماس أن الوسطاء يكتفون ببيانات وتصريحات دون خطوات على الأرض، بينما يعمل الاحتلال على فرض وقائع ميدانية جديدة.
ومع استمرار عمليات التصفية داخل الأنفاق، واعتراف الجيش بصعوبة السيطرة على الوضع، يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار بات معرضاً للاهتزاز، وربما للانهيار الكامل إذا لم تُمارِس الأطراف الدولية دورها الحقيقي في ردع الاحتلال والدفاع عن التزاماتها.
وهكذا تتحول قضية المقاتلين المحاصرين في رفح من مجرد ملف إنساني أو تفاوضي إلى اختبار سياسي حقيقي لجدية الوسطاء وقدرتهم على حماية الاتفاق الذي وقعوا عليه، في مواجهة حكومة إسرائيلية لا تُخفي رغبتها في مواصلة الحرب وتوسيعها حتى داخل الأنفاق.
اقرأ أيضًا : في يوم مناهضة العنف ضد المرأة.. أرقام فلسطينية تكشف قتل الاحتلال لـ33 ألف سيدة وطفلة خلال عامين