في تقرير لافت نشرته صحيفة واشنطن بوست، تم الكشف عن مذكرة داخلية لوزارة الخارجية الأميركية نفت وجود أي أدلة تثبت تورط الطالبة التركية رميساء أوزتورك، المعتقلة حالياً، في أنشطة إرهابية أو معاداة للسامية، في تناقض صارخ مع مزاعم أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتناولت المذكرة تفاصيل تفنيدها لهذه المزاعم، مشيرة إلى أن عملية بحث شاملة في قواعد بيانات الحكومة الفيدرالية لم تفضِ إلى العثور على أي معلومات تربط أوزتورك البالغة من العمر 30 عامًا بالإرهاب أو بحركة حماس، وهو ما يطرح تساؤلات جدية بشأن الأسس القانونية والأخلاقية التي استندت إليها حملة الترحيل التي أطلقتها إدارة ترامب.
وأشارت الصحيفة إلى أن وزير الخارجية حينها ماركو روبيو لم يمتلك أسبابًا كافية لاستخدام سلطاته لإلغاء تأشيرتها الدراسية، ورغم ذلك تم اللجوء إلى بند قانوني في قانون الهجرة والجنسية يمنح صلاحية تقديرية للوزير لإلغاء التأشيرات إذا ما ارتأى أن ذلك يصب في “مصلحة السياسة الخارجية”. وهو ما فُسر بأنه استخدام سياسي للقانون، لا سيما أن أوزتورك كانت طالبة دكتوراه في عامها الأخير في جامعة تافتس بولاية ماساتشوستس.

اعتقال تعسفي واستهداف ممنهج
بحسب التقرير، تم اعتقال أوزتورك بطريقة وصفت بأنها “استعراضية”، إذ اقتحمت عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (ICE) منزلها في مدينة سومرفيل أثناء استعدادها للمشاركة في إفطار رمضاني، في مشهد أثار صدمة في أوساط الطلاب والمجتمع الأكاديمي.
وقد تم الزج بها في مركز احتجاز دون تمكينها من أي دفاع قانوني فعّال، بينما برّرت وزارة الأمن الداخلي اعتقالها بـ”الاشتباه في دعمها لحماس” دون تقديم دليل واحد على هذا الادعاء.
واعتبر حقوقيون ونواب في الكونغرس أن ما جرى يمثل خرقًا واضحًا لمبدأ قرينة البراءة، وانتهاكًا صارخًا لحرية التعبير والتجمع السلمي المكفولين في الدستور الأميركي، خاصة وأن الطالبات والطلاب المسلمين المؤيدين لفلسطين باتوا مستهدفين بشكل ممنهج منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة.
حملة ترامب القمعية ضد مؤيدي فلسطين
ما حدث مع رميساء أوزتورك لا يمكن قراءته خارج السياق الأوسع لحملة قمع وتضييق متصاعدة مارستها إدارة ترامب ضد الطلاب والباحثين غير الأميركيين، وخاصة أولئك الذين يُعبّرون عن دعمهم للقضية الفلسطينية أو ينتقدون السياسات الإسرائيلية.
ففي الأشهر الأخيرة، ومع تصاعد الحركة الطلابية المناصرة لفلسطين، خاصة في أعقاب العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، لجأت السلطات الأميركية إلى اعتقال وترحيل وإلغاء تأشيرات مئات الطلاب، في محاولة لكبح جماح التضامن الطلابي المتنامي داخل الجامعات الأميركية.
وقد طالبت مجموعة مكوّنة من 30 عضوا في الكونغرس بتوضيحات عاجلة من وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، ومدير وكالة ICE تود ليونز، بشأن الاعتقال غير المبرر لأوزتورك. وجاء ذلك في رسالة رسمية تم إرسالها عقب احتجاجات طلابية واسعة اجتاحت أكثر من 50 جامعة أميركية، أبرزها كولومبيا وهارفارد وستانفورد.
جدير بالذكر أن الشرطة الأميركية اعتقلت أكثر من 3100 شخص، معظمهم من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، خلال هذه الاحتجاجات التي رفعت شعارات تطالب بوقف الحرب على غزة وفضح المجازر الإسرائيلية.
تسليح “قانون الهجرة” لتكميم الأفواه
تحليل الخبر يكشف أن ما جرى للطالبة رميساء هو تسييس مفضوح لقوانين الهجرة والتأشيرات، حيث تم تحويل بند قانوني إلى سلاح سياسي لتخويف النشطاء المؤيدين لفلسطين وإسكات أصواتهم.
فبدلاً من تقديم أدلة جنائية أو أدلة استخباراتية على ارتباطها بأي أنشطة غير قانونية، تم استخدام مصطلحات فضفاضة مثل “دعم الإرهاب” أو “معاداة السامية” كشماعة جاهزة لمعاقبة كل من يتجرأ على الوقوف مع الفلسطينيين أو انتقاد الاحتلال الإسرائيلي.
وتُذكّر هذه الحادثة بسياسات الحرب على “الإسلام السياسي” التي روجت لها إدارة ترامب، والتي طالت من قبل منظمات إنسانية وحقوقية مثل “كير” و”Students for Justice in Palestine”، كما شجعت بعض الجامعات على تبني سياسات أكثر قمعًا تجاه النشاط الطلابي المؤيد لفلسطين.
نحو قمع ممنهج للحريات الأكاديمية
من أخطر ما تكشفه هذه القضية هو أن الولايات المتحدة، التي طالما تباهت بأنها “منارة للحرية”، باتت تُمارس أشكالًا من القمع تشبه الأنظمة الاستبدادية ضد طلابها الدوليين، خاصة من أصول إسلامية أو عربية أو تركية.
وفي ظل هذه السياسات، أصبحت الحريات الأكاديمية وحرية التعبير مهددة في عقر الجامعات الأميركية، حيث بات مجرد حضور ندوة أو كتابة مقال داعم لغزة كافيًا لجعلك عرضة للاعتقال أو الترحيل.
إن ما حدث للطالبة رميساء أوزتورك ليس مجرد حادث فردي، بل جرس إنذار حول طبيعة القمع السياسي الذي مارسته إدارة ترامب بحق الأصوات الحرة، وتحديدًا تلك التي تنادي بالعدالة لفلسطين.
خاتمة: التضامن هو السلاح
في وجه هذا القمع، تتصاعد اليوم دعوات دولية وأكاديمية لإطلاق سراح رميساء، ووقف الانتهاكات بحق الطلاب الدوليين والمؤيدين لفلسطين. وقد بدأ نشطاء حقوق الإنسان وطلاب جامعيون في تنظيم حملات ضغط على الكونغرس وعلى إدارة بايدن الحالية لمراجعة هذه السياسات القمعية ووقف العمل بها.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الولايات المتحدة من استعادة صورتها كدولة ديمقراطية تحترم الحريات؟ أم أن قمع الأصوات الحرة سيظل السمة المميزة لعلاقاتها بالطلبة والباحثين غير المرغوب في مواقفهم؟
اقرأ أيضًا : أبوظبي تدين جرائم هي من صنعتها: وجه مزدوج للنظام الإماراتي الذي يقود حرب الإبادة في دارفور