شهدت مدن عربية عديدة خلال الساعات الماضية تظاهرات غاضبة ووقفات احتجاجية عارمة، رفضًا لتجويع سكان قطاع غزة، وللإبادة الجماعية المستمرة التي تنفذها إسرائيل منذ أكثر من تسعة أشهر بحق الفلسطينيين.
هذه التظاهرات، التي جاءت استجابة لنداء الحراك العالمي الذي أطلقته حركة حماس، عبّرت عن غضب شعبي واسع يتجاوز حدود السياسة، وينتمي إلى الضمير الإنساني الذي لم يعد يحتمل مشهد أطفال يموتون جوعًا في غزة، بينما العالم يتواطأ بالصمت، وتغلق الأنظمة العربية أبوابها، في حين تصرخ الشعوب: “لن نترك غزة وحدها”.

الرباط.. صرخة من باب الحد إلى البرلمان
في المغرب، تظاهر عشرات الآلاف في قلب العاصمة الرباط، في واحدة من أكبر المظاهرات الشعبية التي عرفتها المدينة منذ سنوات. المسيرة انطلقت من “باب الحد” التاريخي، وامتدت حتى مبنى البرلمان، وسط حضور شعبي واسع وهتافات غاضبة تندد بالإبادة والتجويع. رفع المتظاهرون شعارات قوية، منها “العدالة مطلوبة والموازين مقلوبة”، و”أوقفوا التجويع.. أوقفوا القتل”، ونددوا بالصمت الدولي والتواطؤ الأميركي، محملين واشنطن المسؤولية الأخلاقية عن دعم الاحتلال.
اللافت في هذه المسيرة هو حجم المشاركة الجماهيرية، وتنوع الجهات المنظمة، إذ شاركت فيها قوى مدنية من مختلف الأطياف، مثل الجبهة المغربية لدعم فلسطين، في مشهد وحدوي يعكس نضجًا سياسيًا وشعبيًا في التعامل مع قضايا الأمة. المظاهرة لم تكن فقط ضد التجويع، بل ضد الكذب الإعلامي والخذلان العربي، وضد نظام دولي أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل لإبادة شعب بأكمله.
نواكشوط.. من أمام السفارة الأميركية إلى قلب المعركة الأخلاقية
في نواكشوط، تظاهر مئات الموريتانيين أمام السفارة الأميركية، في رسالة سياسية حادة ومباشرة. المتظاهرون حمّلوا الولايات المتحدة المسؤولية عن دعم المجازر في غزة، وطالبوا بإغلاق السفارة، في تصعيد رمزي يعكس حجم الغضب الشعبي. اللافت أن التظاهرة ضمّت ممثلين عن الأحزاب السياسية والنقابات والطلاب، ما يشير إلى تناغم وطني واسع خلف القضية الفلسطينية.
شعارات المحتجين لم تكتف بالتنديد بالعدوان، بل طالبت بكسر الحصار الغذائي المفروض على غزة منذ أشهر. وجّهت الجموع نداء إلى المجتمع الدولي بضرورة وقف ما سموه “حرب الإبادة والتجويع”، التي تحوّلت من مجرد وسيلة للضغط العسكري إلى أداة للإبادة الجماعية. وتستمر موريتانيا في تسجيل موقف شعبي متقدم ضمن الدول العربية، في وقت تتوارى فيه مواقف بعض العواصم الكبرى خلف الحسابات السياسية الضيقة.
رام الله وتونس.. الجرح الواحد وتوحّد الأصوات
في مدينة رام الله، خرجت مسيرة شعبية شارك فيها مئات الفلسطينيين، في مشهد يعكس وحدة الحال بين الضفة وغزة. أطر سياسية وناشطون رفعوا الصوت تضامنًا مع غزة، بينما تحدث مصطفى البرغوثي عن “حرب تجويع إجرامية” تهدد حياة 70 ألف طفل. هذا التحرك يعبّر عن رفض الضفة للاستسلام أمام الانقسام السياسي، ويرسل رسالة بأن الدم الفلسطيني واحد والمأساة واحدة.
وفي تونس، لم تغب شوارع العاصمة عن مشهد الغضب، إذ نظمت “تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين” مسيرة حاشدة بعنوان “لا تتركوا غزة وحدها”، تجاوبًا مع نداء حماس. رفع المتظاهرون أعلام فلسطين وتونس ورايات المقاومة، وساروا في شوارع العاصمة هاتفين ضد الحصار. تونس، التي لطالما كانت من أوائل المدافعين عن القضية الفلسطينية، تجدد اليوم موقفها الشعبي الرافض للخذلان، في وقت تتراجع فيه أنظمة أخرى.
الحراك العالمي ونداء الكرامة
السبت الماضي، وجّهت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) نداءً إلى العالم للمشاركة في حراك عالمي ضد سياسة التجويع والإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل، ودعت إلى جعل الأحد صرخة غضب في وجه الاحتلال. وقد وجدت هذه الدعوة صدى واسعًا في الشارع العربي، ليعبّر عن نفسه في صور جماهيرية لافتة، من الرباط إلى نواكشوط، ومن رام الله إلى تونس، وربما تتسع رقعته خلال الأيام المقبلة لتشمل عواصم أخرى.
هذا الحراك يعيد القضية الفلسطينية إلى قلب الرأي العام العربي، بعد محاولات متكررة لتمييعها عبر مسارات التطبيع والخضوع السياسي. الشعوب تقول اليوم: “نحن هنا، لن نترك غزة وحدها”، في إعلان واضح أن القضية لم تمت رغم كل محاولات خنقها.
مجاعة غزة.. حين يتحوّل الجوع إلى أداة قتل
بحسب وزارة الصحة في غزة، فقد استشهد أكثر من 900 فلسطيني، بينهم 71 طفلًا، بسبب الجوع وسوء التغذية. هذا الرقم الصادم يعكس كارثة إنسانية غير مسبوقة، تحدث في وضح النهار، وبصمت العالم. إسرائيل، منذ الثاني من مارس/آذار، أغلقت جميع المعابر ومنعت دخول المساعدات، مما تسبب في تفشي المجاعة.
هذه ليست مجرّد حرب، بل سياسة إبادة متكاملة، تستهدف الكبار والصغار، المدنيين والعزل، عبر التجويع الممنهج، وسط دعم أميركي وصمت دولي، وغياب فاضح لدور الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.
خاتمة: الشعوب تتقدّم.. فهل تلحق بها الأنظمة؟
ما شهدته المدن العربية هو انتفاضة للكرامة، لا تقل أهمية عن انتفاضات التحرر، وهي تعكس لحظة تاريخية فارقة، تميّز فيها الموقف الشعبي عن الرسمي. لقد كسر الناس حاجز الصمت، وأعادوا غزة إلى الواجهة. فهل تلتحق الأنظمة بهذا الوعي المتقدم، أم تستمر في دفن رؤوسها في رمال التطبيع والصمت؟
ما جرى في الرباط ونواكشوط ورام الله وتونس ليس إلا البداية. وإذا استمرت المجاعة والمذابح، فإن الشارع العربي مرشح لاشتعال أكبر، وقد يتحول هذا الحراك الأخلاقي إلى حراك سياسي واسع يعيد تصويب البوصلة نحو فلسطين، القضية المركزية التي لا تموت.
اقرأ أيضًا : انتفاضة عالمية ضد تجويع غزة: مسيرات وإضرابات تتحدى صمت العالم