مع انتهاء جولة جديدة من المواجهات العسكرية التي شملت إيران وحلفاءها الإقليميين، وجد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه في موقف سياسي معقّد، حيث فشل في تقديم ما يُعرف تقليديًا داخل إسرائيل بـ”صورة النصر”. هذه الصورة، التي اعتاد نتنياهو استخدامها لتعزيز مكانته السياسية، غابت هذه المرة بشكل واضح، ما أضعف قدرته على تسويق نتائج الحرب للجمهور الإسرائيلي.

ففي السياق الإسرائيلي، لا يكفي تحقيق إنجازات عسكرية جزئية، بل يتطلب الأمر مشهدًا رمزيًا حاسمًا يترجم هذه الإنجازات إلى مكاسب سياسية مباشرة. غياب هذا المشهد خلق فجوة بين الرواية الرسمية والواقع الميداني، وأدى إلى تآكل تدريجي في ثقة قطاعات من الرأي العام، حتى وإن ظل جزء كبير من قاعدته الانتخابية متمسكًا به.

الشارع الإسرائيلي بين القلق الأمني والارتباك السياسي

تُظهر استطلاعات الرأي حالة من الغموض العميق داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث لم يتمكن الجمهور من حسم موقفه بشأن نتائج الحرب. هذا التردد يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المواجهة لم تحقق أهدافها الاستراتيجية الكبرى، مثل إنهاء التهديدات الصاروخية أو إحداث تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي.

كما أن استمرار التهديدات الأمنية، خصوصًا في المناطق الشمالية، ساهم في تعزيز شعور القلق لدى السكان، الذين وجدوا أنفسهم في حالة استنزاف مستمر دون أفق واضح للحل. هذا الواقع الميداني الصعب انعكس على المزاج العام، الذي بات أقل تقبلاً للخطاب الرسمي المتفائل.

صمت اليمين المتطرف يكشف هشاشة التحالف الحاكم

من اللافت أن شركاء نتنياهو في اليمين المتطرف، الذين اعتادوا توجيه انتقادات حادة في حالات الإخفاق، اختاروا هذه المرة الصمت. هذا الصمت لا يعكس بالضرورة رضاهم عن الأداء الحكومي، بل يشير إلى إدراكهم لحساسية المرحلة، وخشيتهم من تفكك الائتلاف في ظل غياب بدائل سياسية واضحة.

كما أن هذا الموقف يكشف عن هشاشة التحالف الحاكم، الذي يبدو متماسكًا ظاهريًا، لكنه يفتقر إلى التوافق الحقيقي حول إدارة الأزمات الكبرى. فغياب الانتقادات العلنية لا يعني غياب الخلافات، بل قد يدل على تأجيلها إلى مرحلة لاحقة أكثر حسماً.

معارضة عاجزة عن استثمار الإخفاق الحكومي

رغم الفرصة السياسية التي أتاحها غياب “النصر الواضح”، لم تتمكن المعارضة الإسرائيلية من استثمار هذا الوضع بشكل فعّال. فقد اتسمت مواقفها بالتشتت، وافتقرت إلى خطاب موحد قادر على إقناع الناخبين ببديل سياسي حقيقي.

تصريحات قادة المعارضة، رغم حدّتها في بعض الأحيان، لم تنجح في اختراق القاعدة الشعبية لنتنياهو، التي ما زالت ترى فيه زعيمًا قادرًا على إدارة التحديات الأمنية، حتى في ظل النتائج غير الحاسمة. كما أن تراجع شعبية بعض قادة المعارضة في استطلاعات الرأي أضعف من تأثير خطابهم، وجعلهم غير قادرين على تحويل النقد إلى مكاسب انتخابية ملموسة.

الاقتصاد والمجتمع يدفعان ثمن الحرب المستمرة

بعيدًا عن الحسابات السياسية، تركت الحرب آثارًا عميقة على الداخل الإسرائيلي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي. فقد تضررت قطاعات واسعة من الأعمال، خاصة في المناطق القريبة من خطوط المواجهة، كما يعاني جنود الاحتياط من ضغوط نفسية واقتصادية متزايدة نتيجة الاستدعاءات المتكررة.

هذه التحديات الداخلية تعزز الشعور بأن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد تمس بنية المجتمع الإسرائيلي واستقراره.

مستقبل سياسي غامض وانتخابات مؤجلة

في ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن نتنياهو مستعد للمخاطرة بإجراء انتخابات مبكرة، خاصة في غياب إنجاز واضح يمكن توظيفه انتخابيًا. في المقابل، تسعى المعارضة إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على قضايا داخلية مثيرة للجدل، مثل قوانين التجنيد، في محاولة لكسب دعم أوسع.

ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبقى المشهد السياسي الإسرائيلي مفتوحًا على جميع الاحتمالات، حيث تتقاطع الأزمات الأمنية مع التحديات الداخلية، في ظل قيادة تواجه انتقادات متزايدة، ومعارضة لم تثبت بعد قدرتها على التغيير.

خلاصة: أزمة قيادة أم أزمة نظام؟

تكشف هذه المرحلة عن أزمة أعمق من مجرد إخفاق عسكري أو سياسي عابر، إذ تعكس خللاً بنيويًا في آليات اتخاذ القرار داخل إسرائيل، وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام السياسي على التعامل مع التحديات المعقدة. وبين خيبة نتنياهو وعجز المعارضة، يبدو أن الداخل الإسرائيلي يعيش حالة من التمزق، قد تكون مقدمة لتحولات أكبر في المستقبل القريب.

اقرأ أيضًا : “لبنان جبهة قتالنا الأساسية”.. جيش الاحتلال يقر بالهزيمة الاستراتيجية في الشمال: الجنرالات يعترفون بصمود حزب الله