يتحرك القيادي الفلسطيني محمد دحلان مجددًا نحو قلب المشهد السياسي الفلسطيني، مستفيدًا من علاقاته الوثيقة بالإمارات ودوائر القرار الأمريكية والإسرائيلية، وسط معلومات عن دور متزايد له في مفاوضات مستقبل قطاع غزة، وترتيبات الإدارة والأمن والانتخابات الفلسطينية المقبلة.
وتتزامن عودة دحلان إلى الواجهة مع زيارة محمود عباس إلى تركيا، في وقت تتزايد فيه مخاوف قيادة السلطة الفلسطينية من أن يتحول دحلان إلى أحد أبرز اللاعبين في «اليوم التالي» للحرب، مستفيدًا من دعم أبوظبي، وصلاته مع واشنطن، وعلاقاته الواسعة داخل الفصائل الفلسطينية.
وبحسب المعلومات المتداولة، لعب دحلان خلال الأشهر الماضية دورًا مباشرًا في محاولات تقريب المواقف بين حركة حماس والأطراف الدولية بشأن مستقبل سلاح الحركة، وترتيبات إدارة القطاع بعد الحرب.
لقاءات سرية مع حماس في أبوظبي
قال مصدر قريب من المفاوضات إن دحلان استقبل وفدًا من حركة حماس في أبوظبي خلال يوليو/تموز الماضي في لقاء هدفه «بناء الثقة» قبل الانتقال إلى محادثات العلمين في مصر.
وتشير المعلومات إلى أن دحلان أسهم في إقناع قيادة الحركة بقبول صيغة مرتبطة بملف السلاح، ضمن ترتيبات أوسع تتعلق بإنهاء الحرب ونقل إدارة القطاع إلى هيئة تكنوقراط فلسطينية.
لكن تفاصيل الصيغة التي وافقت عليها الحركة، وحدود ما يتعلق بنزع السلاح أو إعادة تنظيمه، لم تُكشف بصورة كاملة، ما يجعل هذا الجانب بحاجة إلى مزيد من التحقق من الأطراف المعنية.
دحلان في العلمين.. من وسيط إلى لاعب مركزي
وخلال اجتماعات العلمين الجديدة، التقى دحلان رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، قبل أن يلعب دورًا في الوساطة بين الفصائل الفلسطينية وموفد البيت الأبيض.
كما التقى ممثلين عن حركة حماس وخمسة فصائل فلسطينية أخرى، وشارك في مناقشة خريطة انتقالية تتعلق بسلاح الفصائل وإدارة غزة بواسطة لجنة تكنوقراط.
ويضع هذا الحضور دحلان في موقع مختلف عن السنوات السابقة؛ فلم يعد مجرد قيادي فتحاوي منفي أو خصم لعباس، بل أصبح وسيطًا تتعامل معه أطراف عربية وأمريكية وفلسطينية باعتباره قادرًا على التأثير في غزة.
علاقة مباشرة مع جاريد كوشنر
تكشف المعلومات عن قناة اتصال مستمرة بين دحلان وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأحد أبرز مهندسي السياسة الأمريكية في المنطقة.
وقال دبلوماسي عربي إن كوشنر بقي على اتصال دائم بدحلان طوال العام السابق بشأن مستقبل قطاع غزة.
كما نقل عن مسؤول أمريكي رفيع قوله إن واشنطن تستشير دحلان بشكل مباشر بشأن ترتيبات ما بعد الحرب، وإنه يقدم للأمريكيين معلومات وتقديرات بشأن الأوضاع داخل القطاع.
وبحسب ما نُقل عن دحلان، أبلغه كوشنر بأنه يعمل مع الجانب الإسرائيلي على وقف الهجمات في غزة، بينما يواصل فريق دحلان اتصالاته مع المسؤولين الأمريكيين بشأن تنفيذ التفاهمات.
الإمارات بوابة العودة
لا يمكن فصل عودة دحلان إلى المشهد عن علاقته الوثيقة بمحمد بن زايد، إذ يعمل مستشارًا للرئيس الإماراتي منذ سنوات، ويتمتع بنفوذ واسع داخل دوائر القرار في أبوظبي.
ويبدو أن الإمارات تحاول تحويل دحلان إلى إحدى أدواتها الأساسية في ترتيبات غزة المقبلة.
فأبوظبي لا تملك حضورًا شعبيًا أو تنظيميًا مباشرًا داخل القطاع، لكنها تملك المال والعلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة ودحلان، الذي يمتلك بدوره شبكة علاقات فلسطينية واسعة.
وبذلك يصبح دحلان حلقة الوصل التي تستطيع الإمارات من خلالها الدخول إلى مستقبل غزة سياسيًا، لا إنسانيًا فقط.
لقاء مع رئيس الشاباك في أبوظبي
ومن أخطر المعلومات المتداولة ما كشفته هيئة البث الإسرائيلية عن لقاء سري عقد في أبوظبي خلال مايو/أيار بين دحلان ورئيس جهاز الشاباك دافيد زيني.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، تناول الاجتماع الترتيبات الأمنية لمرحلة ما بعد الحرب وآليات إدارة القطاع والسيطرة على المعابر.
وإذا ثبتت هذه التفاصيل كاملة، فإنها تكشف أن دحلان لا يتحرك فقط بين الفصائل العربية والأمريكيين، بل يناقش أيضًا مباشرة مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية شكل النظام الذي سيحكم غزة بعد الحرب.
400 مليون دولار لإغلاق ملفات حكومة غزة
وبحسب معلومات نشرتها منصة «+972»، تشمل الترتيبات المقترحة تخصيص نحو 400 مليون دولار لمعالجة ديون ومستحقات متراكمة على إدارة غزة منذ سنوات، تشمل موظفين ومقاولين وشركات خاصة.
وتشير المعلومات إلى أن معظم التمويل المتوقع سيأتي من الإمارات.
كما ذكرت «لوموند» أن أبوظبي تعهدت بالمساهمة في تسوية ديون القطاع الخاص وتعويض الموظفين المرتبطين بحكومة حماس ممن قد يفقدون وظائفهم خلال المرحلة الانتقالية.
وهذا يضع المال الإماراتي في قلب عملية إعادة تشكيل الإدارة الفلسطينية داخل غزة؛ فتمويل الانتقال لا يتعلق فقط بالإغاثة، بل ببناء النظام السياسي والإداري البديل.
تكنوقراط مقربون من دحلان لإدارة القطاع
قال دبلوماسي أوروبي إن دحلان اقترح مجموعة من الشخصيات الفلسطينية المستقلة لتولي مناصب داخل «اللجنة الوطنية لإدارة غزة».
وتشير المعلومات إلى أن عددًا من هؤلاء يسافر بانتظام إلى الإمارات، رغم أنهم لا ينشطون سياسيًا بصورة واضحة.
لكن السلطة الفلسطينية تنظر إليهم باعتبارهم تهديدًا مباشرًا؛ لأنها ترى أن إنشاء إدارة غزة بعيدًا عن رام الله قد يؤدي عمليًا إلى تجاوز محمود عباس ومؤسسات السلطة في أهم ملف فلسطيني خلال المرحلة المقبلة.
عباس يخشى العودة السياسية لدحلان
هذا الصعود يفسر جانبًا من القلق داخل قيادة السلطة الفلسطينية.
فدحلان كان لسنوات الخصم الأبرز لمحمود عباس داخل حركة فتح، قبل فصله من الحركة ومغادرته الأراضي الفلسطينية.
لكن الرجل الذي حاول عباس إخراجه من المعادلة يعود اليوم من باب أكبر: العلاقات الأمريكية والإماراتية، والمفاوضات حول غزة، والاتصالات مع حماس والفصائل، والاستعداد للانتخابات.
وفي هذا السياق تأتي زيارة عباس إلى تركيا، التي يمكن قراءتها ضمن محاولة توسيع شبكة حلفائه الإقليميين في مواجهة الدور الإماراتي المتزايد ودحلان.
دحلان يستعد لما بعد عباس
لا تقتصر تحركات دحلان على غزة.
فبحسب المعلومات، يناقش ترتيبات مرتبطة بالانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وأجرى اتصالات مع حركة حماس والجبهتين الشعبية والديمقراطية، إضافة إلى جناح مروان البرغوثي داخل حركة فتح.
والهدف المطروح هو تشكيل جبهة سياسية واسعة في مواجهة محمود عباس والدائرة المقربة منه.
كما يجري إعداد قوائم انتخابية عابرة للفصائل تعتمد على جيل جديد من القيادات والكوادر بدل تقديم دحلان نفسه مرشحًا مباشرًا.
مروان البرغوثي للرئاسة؟
وتشير معلومات من مقربين من دحلان إلى وجود توجه لدعم مروان البرغوثي في أي انتخابات رئاسية مقبلة، بدل ترشح دحلان بنفسه.
وهذه الخطوة، إذا تحققت، ستكون شديدة الذكاء سياسيًا؛ فدحلان شخصية خلافية داخل الشارع الفلسطيني، بينما يحتفظ البرغوثي بشعبية واسعة داخل فتح وبين قطاعات فلسطينية متعددة.
وبذلك يمكن لدحلان أن يبني تحالفًا سياسيًا واسعًا من دون أن يضع اسمه مباشرة على رأسه.
حتى نجل عباس دخل على خط الاتصالات
وتحدثت معلومات أيضًا عن لقاء جمع ياسر عباس، نجل محمود عباس وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، بسمير المشهراوي نائب دحلان في «تيار الإصلاح الديمقراطي»، لبحث فرص التفاهم الداخلي.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تعكس إدراكًا داخل محيط عباس بأن تجاهل دحلان لم يعد ممكنًا، وأن التعامل معه قد يصبح جزءًا من ترتيبات مرحلة ما بعد الرئيس الفلسطيني الحالي.
المال الإماراتي يصنع النفوذ الشعبي
يملك دحلان كذلك ورقة لا تقل أهمية عن السياسة: المساعدات.
فقد لعب دورًا في إيصال مساعدات إماراتية كبيرة إلى القطاع، وقدرت أبوظبي قيمة ما قدمته حتى عام 2023 بنحو ملياري دولار، إضافة إلى دعم لوكالات الأمم المتحدة ومشاريع اجتماعية.
كما يحصل فقراء في غزة على قسائم غذائية ومساعدات واحتياجات أساسية مرتبطة بشبكات يعمل دحلان على تمويلها عبر علاقاته الخارجية.
وهذا يمنحه قاعدة نفوذ اجتماعية تختلف عن النفوذ التقليدي للفصائل؛ فالسياسة تأتي هنا عبر المساعدات والمال وشبكات المجتمع المحلي.
بن زايد يريد موطئ قدم في غزة بعد الحرب
المشهد الأوسع يتجاوز محمد دحلان كشخص.
الإمارات تحاول أن تضمن لنفسها موقعًا داخل النظام الفلسطيني القادم، وتملك لتحقيق ذلك ثلاثة عناصر: التمويل، العلاقة مع إسرائيل وواشنطن، ودحلان.
أما دحلان فيملك ما تحتاجه أبوظبي: شبكة فلسطينية، معرفة بغزة، علاقات مع الفصائل، وقدرة على العمل مع الأمريكيين والإسرائيليين في الوقت نفسه.
وبهذا يصبح التحالف بين الطرفين تبادليًا: أبوظبي تمنح دحلان المال والغطاء الإقليمي والدولي، ودحلان يمنحها بوابة إلى الداخل الفلسطيني.
وهنا تكمن خطورة عودته: دحلان لا يعود إلى غزة باعتباره قياديًا فتحاويًا سابقًا فقط، بل باعتباره حاملًا لمشروع إقليمي تقف خلفه الإمارات، وتشارك في هندسته واشنطن وتتفاوض بشأنه إسرائيل. وفي المقابل، يجد محمود عباس نفسه أمام خصم قديم يعود اليوم بأدوات أقوى، وتحالفات أوسع، وموارد أكبر، وربما بدور رئيسي في رسم مستقبل غزة والسلطة الفلسطينية نفسها.