في تطور لافت يعكس تشابك الخيوط الإقليمية والأمنية في قطاع غزة، أعلنت مصادر فلسطينية أن جهاز أمن المقاومة تمكن من إلقاء القبض على “عصام النباهين”، الذراع اليمنى لياسر أبو شباب، أحد أبرز المتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي في القطاع. 

ويُعد هذا الاعتقال ضربة نوعية لما يُعرف بـ”المجموعة الشعبية” التي تنشط في مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال، وتعمل على تجنيد مرتزقة وتخريب الصف الوطني الفلسطيني.

النباهين، بحسب المصادر، متورط في جرائم خطيرة تشمل القتل المتعمد، وتقديم معلومات عن عقد وتشكيلات المقاومة، والمشاركة في جرائم أخرى كالسطو على شاحنات المساعدات، وقتل أحد عناصر الشرطة قبل الحرب. 

الأخطر من ذلك، وفق المعلومات، أنه سبق وشارك في القتال ضمن صفوف تنظيم الدولة في سيناء، مما يكشف طبيعة الخلفية الإجرامية المتشابكة والمتنقلة ما بين الإرهاب والتجسس والعمالة.

تسريبات تكشف دعماً مخابراتياً عربياً

لم تكن عملية الاعتقال مجرد خطوة أمنية بحتة، بل جاءت بعد تتبع ومراقبة لفترة طويلة، تزامنت مع تسريبات أمنية كشفت عنها قناة “الحارس” التابعة للمقاومة.

القناة أفادت بأن جهاز مخابرات تابع لدولة عربية – لم تسمها – قام بتأهيل وتدريب المرتزقة الذين يقاتلون إلى جانب الاحتلال شرق رفح. الدعم المقدم لم يقتصر على الأموال، بل شمل مركبات رباعية الدفع، وأجهزة رؤية ليلية، ومعدات اتصالات متطورة، ما يشير إلى دعم لوجستي ممنهج يشبه إلى حد كبير ما يُقدم للجيوش النظامية.

وإن كان اسم الدولة الداعمة لم يُذكر صراحة، فإن المؤشرات الإعلامية والسياسية تشير بقوة إلى ضلوع دولة الإمارات، التي ظهرت على نحو مثير في صورة متداولة على وسائل التواصل، يظهر فيها نائب قائد مجموعة أبو شباب، غسان الدهيني، بجانب سيارة تحمل لوحة إماراتية وهو يطلق النار.

الإمارات وإسرائيل.. تحالف في الظل

التحقيقات والتقارير المتداولة، بما في ذلك ما نشرته صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية، تعزز فرضية وجود دور إماراتي في دعم هذه المجموعات. الصحيفة أكدت أن “الإمارات يبدو أنها جزء من مشروع القوات الشعبية”، وهو تعبير يستخدمه الإعلام الإسرائيلي للإشارة إلى المرتزقة المحليين الذين يتعاونون مع الجيش الإسرائيلي داخل القطاع.

ويبدو أن الدعم الإماراتي للمجموعة لا يقتصر على المال والمعدات، بل يمتد إلى التنسيق السياسي والأمني، في ظل ما يُفهم أنه تقاطع مصالح بين أبو ظبي وتل أبيب في كبح جماح المقاومة الفلسطينية، وخلق بدائل “مدنية” تتحدث باسم “السكان”، لكنها فعلياً تعمل على إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني.

أبو شباب والسلطة.. تنسيق مشبوه

تحدث ياسر أبو شباب صراحة عن وجود تنسيق مع السلطة الفلسطينية، لا سيما على مداخل المناطق التي ينشط فيها، حيث تُجرى عمليات تفتيش أمنية بالتعاون مع المخابرات الفلسطينية. 

وبرغم نفيه تلقي تمويل من السلطة، إلا أن حديثه عن “شراكة في المصلحة الوطنية العليا” يثير تساؤلات حول طبيعة هذا التعاون، وحدوده، ومدى اطلاع القيادة السياسية الفلسطينية عليه.

واللافت أن أبو شباب قدَّم نفسه كبديل إنساني لحماس، قائلاً إن مجموعته تستقبل عشرات العائلات يومياً وتحميها في مناطق سيطرة الاحتلال، وطالب بإشراف دولي على ممرات إنسانية لنقل الآلاف من سكان القطاع. 

هذه اللغة تتماهى مع الخطاب الإسرائيلي-الإماراتي الرامي إلى إحداث شرخ داخل النسيج الفلسطيني تحت شعار “الإنقاذ الإنساني”، في حين تُستخدم تلك الممرات كوسيلة للفرز الأمني والسيطرة الميدانية.

قراءة في الخلفيات والدلالات

ما يجري اليوم في غزة ليس مجرد تحرك فردي من قبل عملاء أو مرتزقة، بل مشروع متكامل تقف وراءه أطراف إقليمية ودولية تسعى لتقويض المقاومة من الداخل. 

وتُظهر قضية “النباهين” كمثال حي كيف تتحول شخصيات ذات سوابق جنائية إلى أدوات في مشروع إقليمي كبير، يجمع بين المال الإماراتي والدعم الاستخباري الإسرائيلي والتنفيذ المحلي.

من جهة أخرى، فإن استمرار وجود هذه المجموعات المسلحة في مناطق سيطرة الاحتلال يعكس حجم التحديات التي تواجهها المقاومة في تأمين جبهتها الداخلية، في ظل الحرب المفتوحة التي تُشنّ ضدها من الخارج والداخل.

ولذلك، فإن عملية اعتقال النباهين تمثل أكثر من مجرد نجاح أمني؛ إنها صفعة موجهة لأطراف تراهن على تفكيك غزة من الداخل عبر تجنيد شبكات من العملاء.

الخلاصة:

تكشف قضية اعتقال عصام النباهين وتشابكاتها الإقليمية أن غزة ليست فقط ساحة صراع مسلح، بل أيضاً ميدان حرب استخباراتية معقدة، تُستخدم فيها أدوات الإعلام، والمساعدات، وحتى الشعارات الإنسانية كغطاء لتفكيك جبهة المقاومة. 

يبدو أن الإمارات وإسرائيل تعملان معًا على صياغة مشهد جديد في القطاع، يحوّل الخارجين عن القانون إلى واجهة لمشروع سياسي يتقاطع مع أهداف الاحتلال، ويضرب وحدة الشعب الفلسطيني من الداخل.

اقرأ أيضًا : انقسام الحاخامات يزلزل الكيان.. قانون التجنيد يشعل حربًا دينية–سياسية في إسرائيل