في خطوة أثارت جدلًا واسعًا وتساؤلات عميقة حول حرية التعبير والعمل الإنساني في الأردن، أصدرت محكمة أردنية حكمًا يقضي بسجن الناشطة عبير الجمال لمدة ستة أشهر، وتغريمها مبلغ 3 آلاف دينار أردني، بسبب قيامها بجمع تبرعات لصالح المدنيين المحاصرين في قطاع غزة.
الحكم، الذي استند إلى “جمع تبرعات دون ترخيص” بموجب قانون الجرائم الإلكترونية، يأتي في وقت يتعرض فيه قطاع غزة لحصار خانق وعدوان متواصل، ما يجعل الحاجة إلى الدعم الإغاثي أكبر من أي وقت مضى.
لكن ما يكشفه هذا الحكم يتجاوز بكثير تفاصيل قضية فردية، إذ يسلط الضوء على مسار واضح من التضييق الممنهج على النشطاء الأردنيين، لا سيما أولئك الذين يرفعون صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية، أو يسعون لتقديم العون في أوقات الكوارث.
فما الرسالة التي يبعث بها النظام الأردني من خلال سجن ناشطة بسبب “حليب أطفال”؟ وهل بات دعم غزة فعلًا يُقابل بالقمع بدلًا من الإشادة؟

العمل الإنساني في مرمى القمع: تجريم النوايا الطيبة
بحسب تصريحات الجمال، فإنها لم تعلن أو تروج لجمع تبرعات عبر أي وسيلة إلكترونية أو علنية، بل إنها تلقت مساعدات مالية من أفراد يعرفون بوجودها في غزة وثقتهم بمصداقيتها، وقامت باستخدام هذه التبرعات لتأمين مستلزمات طبية وغذائية في ظل أوضاع كارثية يشهد لها العالم بأسره.
ومع ذلك، لم يُنظر إلى هذا الجهد بوصفه إنسانيًا، بل خضع لتحقيقات مطولة بدأت باتهامها بـ”غسيل أموال”، قبل أن يتم تعديل التهمة إلى “جمع تبرعات دون ترخيص”.
ما يثير القلق هنا هو استخدام القوانين كأدوات للردع لا للتنظيم. فبدلًا من تبني مقاربة تشجع على المبادرات الفردية والجماعية في إطار من الشفافية، تتجه الدولة إلى شيطنة أي فعل خارج القنوات الرسمية، حتى لو كان يحمل طابعًا إنسانيًا بحتًا.
هذا يخلق مناخًا من الخوف لدى المتبرعين والمتطوعين، ويجعل أي مبادرة مستقبلية موضع ريبة، ويحد من قدرة المجتمع على التحرك في أوقات الأزمات.
ولم تكن الجمال حالة معزولة، إذ وثقت منظمات حقوقية خلال الأشهر الماضية استدعاءات متكررة لعدد من النشطاء الأردنيين بسبب انخراطهم في حملات دعم لغزة.
من بين هذه الحالات، الحملة التي قادتها لجنة حي الطفايلة في عمان، والتي ساهمت في توفير سيارات إسعاف ومطابخ إغاثية في القطاع.
هذه المبادرات التي حظيت بدعم شعبي واسع، قوبلت بالتضييق والملاحقة القانونية، ما يعكس تناقضًا بين نبض الشارع الأردني الداعم للقضية الفلسطينية وبين توجهات الدولة الرسمية التي باتت تميل إلى تجريم التضامن.
قمع داخلي باسم “التنظيم”
سياسة الملاحقة التي يتبعها النظام الأردني ضد الداعمين لغزة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المناخ السياسي العام الذي يزداد قمعًا وتضييقًا. فالأردن، الذي طالما تباهى بدوره في دعم الشعب الفلسطيني، يعيش اليوم مرحلة تحول تُخشى فيها الكلمة الحرة، ويُحاسب فيها الإنسان على “النية” قبل الفعل.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في القيود المفروضة على الحريات العامة، حيث تم استخدام قوانين مثل “الجرائم الإلكترونية” و”مكافحة الإرهاب” لمحاكمة الصحفيين والناشطين السياسيين وحتى المتطوعين الإنسانيين.
ومع كل موجة تصعيد في غزة، يزداد الضغط على الشارع الأردني لإسكات الأصوات المؤيدة للمقاومة الفلسطينية أو حتى الداعية إلى تقديم مساعدات إنسانية بحتة.
وتأتي هذه السياسات في سياق إقليمي يشهد تراجعًا لخطاب المقاومة، وتصاعدًا في التنسيق الأمني والسياسي بين عدد من الأنظمة العربية والاحتلال الإسرائيلي.
وفي هذا الإطار، يبدو أن دعم غزة لم يعد فقط مصدر إحراج دبلوماسي، بل أصبح عبئًا سياسيًا على من يصر على التعبير عنه، خاصة إذا لم يكن ضمن قنوات “مرخصة” وخاضعة للرقابة.
ما بين القمع والدعم الشعبي.. من ينتصر؟
قضية عبير الجمال تمثل فصلًا جديدًا في رواية التضييق على الحريات في الأردن، لكنها تكشف أيضًا عن هشاشة المبررات القانونية التي تستخدمها السلطات في مواجهة أي فعل شعبي حر.
وبينما يتحدث النظام عن تنظيم التبرعات وضمان الشفافية، فإن الواقع يُظهر أن الهدف الحقيقي هو تقييد أي نشاط لا يمر عبر البوابة الرسمية.
في المقابل، يستمر الشعب الأردني في التعبير عن تضامنه مع غزة، رغم التهديدات والإجراءات القمعية، وهو ما يُبقي الأمل قائمًا في أن صوت الإنسانية سيتجاوز في النهاية جدران القوانين الجائرة وأدوات الترهيب.
اقرأ أيضًا : المغرب ينتفض من جديد… مظاهرات غاضبة تكتسح المدن تنديدًا بالعدوان على غزة ومطالبة بإنهاء التطبيع