كشف تحقيق صحفي أميركي عن شبكة لتجنيد مقاتلين أجانب للقتال إلى جانب ميليشيا الدعم السريع في السودان، مشيراً إلى دور شركة مرتبطة بالإمارات في استقدام مرتزقة كولومبيين إلى ساحات القتال، في تطور أضاف بعداً دولياً جديداً للحرب المستمرة منذ إبريل/نيسان 2023.

وبحسب التقرير الذي أعاد موقع «الإمارات ليكس» نشر تفاصيله نقلاً عن صحيفة «وول ستريت جورنال»، ظهرت أدلة على وجود مقاتلين كولومبيين في إقليم دارفور إلى جانب ميليشيا الدعم السريع، التي تواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة وجرائم خطيرة بحق المدنيين.

جوازات كولومبية في ساحات القتال

بدأ الكشف عن وجود المرتزقة بعد ظهور مقاطع مصورة من دارفور، أظهرت مقاتلين وسط صناديق وأسلحة ومعدات عسكرية، إلى جانب العثور على وثائق وجوازات سفر كولومبية، ما أثار تساؤلات بشأن الطريق الذي سلكه هؤلاء المقاتلون للوصول إلى السودان والجهات التي تولت عملية تجنيدهم ونقلهم.

وبحسب التحقيق، لم يكن وجود الكولومبيين مجرد حالات فردية لمقاتلين قرروا التوجه إلى السودان بصورة مستقلة، وإنما ارتبط بعملية تجنيد منظمة شاركت فيها جهات وشركات تعمل على استقطاب عسكريين كولومبيين سابقين للاستفادة من خبراتهم القتالية.

ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ضوء الاتهامات المتراكمة بشأن شبكات الدعم الخارجي التي ساعدت ميليشيا الدعم السريع على مواصلة عملياتها العسكرية، رغم استمرار الحرب وما خلّفته من كارثة إنسانية واسعة.

الإمارات تعود إلى واجهة الاتهامات

وتضع المعلومات الواردة في التحقيق الإمارات مجدداً في قلب الجدل بشأن الدعم الخارجي لميليشيا الدعم السريع، إذ يشير التقرير إلى ارتباط الشركة التي عملت على تجنيد المقاتلين الأجانب بالإمارات. وفي المقابل، تنفي أبوظبي باستمرار تقديم أسلحة أو دعم عسكري للميليشيا، وتؤكد أنها تتبنى موقفاً محايداً من الحرب السودانية.

لكن ملف المرتزقة يأتي ضمن سلسلة أوسع من الاتهامات والتحقيقات الدولية المتعلقة بخطوط الإمداد والتمويل والتسليح التي استفادت منها ميليشيا الدعم السريع. وقد تصاعدت هذه الاتهامات لاحقاً إلى مستويات سياسية وحقوقية دولية، مع مطالبات بمحاسبة الجهات الخارجية التي تساهم في استمرار الصراع.

ولم يعد النقاش مقتصراً على طبيعة الأسلحة الموجودة بأيدي الميليشيا، بل امتد إلى منظومة كاملة تشمل المقاتلين الأجانب والخبرات العسكرية وشبكات النقل والإمداد والوسطاء والشركات الخاصة.

المرتزقة يحولون الحرب إلى صراع عابر للحدود

ويكشف استقدام مقاتلين من كولومبيا إلى السودان عن تحول خطير في طبيعة الحرب، إذ لم تعد المواجهة محصورة بين قوى سودانية، بل أصبحت شبكات عابرة للحدود قادرة على نقل الخبرات والمقاتلين والمعدات إلى ساحات القتال.

وهذه النقطة تحديداً تجعل ملف المرتزقة أكثر خطورة من مجرد وجود عدد من الأجانب داخل صفوف ميليشيا الدعم السريع؛ فوجود عملية منظمة للتجنيد والنقل يعني أن استمرار الحرب يعتمد، جزئياً، على بنية دعم تتجاوز الحدود السودانية.

وتتقاطع هذه الصورة مع ما كشفته لاحقاً تحقيقات وتقارير دولية بشأن الدعم الخارجي للحرب، وسط اتهامات متكررة للإمارات بدعم ميليشيا الدعم السريع، وهي اتهامات ترفضها أبوظبي. وفي يونيو/حزيران 2026، عادت تقارير إلى الحديث عن معلومات وضغوط سياسية مرتبطة بملف الدور الإماراتي في السودان، ما أبقى القضية حاضرة في النقاش الدولي.

ميليشيا متهمة بفظائع واسعة

وتزداد خطورة شبكات الدعم الخارجي بالنظر إلى سجل الانتهاكات المنسوبة إلى ميليشيا الدعم السريع، خصوصاً في دارفور، حيث وثقت جهات دولية عمليات قتل وانتهاكات بحق المدنيين، فضلاً عن اتهامات بالاغتصاب والاختطاف والتهجير القسري والهجمات ذات الطابع العرقي.

كما أكدت المحكمة الجنائية الدولية في يناير/كانون الثاني 2026 أن المعلومات والأدلة التي جمعتها تشير إلى ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مدينة الفاشر، ولا سيما خلال الأحداث التي رافقت سيطرة ميليشيا الدعم السريع عليها.

وهنا تتجاوز قضية الدعم الخارجي الحسابات العسكرية التقليدية؛ إذ يطرح استمرار تدفق السلاح والمقاتلين والخبرات إلى طرف متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة سؤالاً بشأن مسؤولية الشركات والوسطاء والدول التي تسمح باستخدام أراضيها أو أنظمتها المالية والتجارية في شبكات تدعم استمرار العمليات العسكرية.

من التسليح إلى المرتزقة

وتشير المعطيات إلى أن أحد أخطر أبعاد حرب السودان يتمثل في قدرتها على الاستمرار بفعل الدعم القادم من خارج البلاد. وقد طالب نواب في البرلمان الأوروبي بالفعل باتخاذ إجراءات ضد القوى الخارجية المتورطة في تأجيج الحرب، وبرز اسم الإمارات بصورة مباشرة خلال مناقشاتهم إلى جانب ميليشيا الدعم السريع.

ولا يثبت مجرد ارتباط شركة أو أفراد عاملين من الإمارات بالدعم العسكري مسؤولية الدولة الإماراتية تلقائياً عن كل نشاط قامت به تلك الجهات، وهي نقطة مهمة قانونياً. لكن تكرار ظهور شركات ووسطاء ومسارات إمداد مرتبطة بالإمارات في تحقيقات مختلفة يجعل المطالبة بتحقيقات مستقلة وشفافة في طبيعة هذه الشبكات أمراً يصعب تجاوزه.

وبذلك لا تبدو قضية المرتزقة الكولومبيين حادثة منفصلة، بل جزءاً من ملف أكبر يتعلق بمن يمد ميليشيا الدعم السريع بالقدرة على مواصلة القتال. وبينما يدفع السودانيون ثمن الحرب قتلاً ونزوحاً ودماراً، تتجه الأنظار بصورة متزايدة إلى شبكات الدعم الخارجي التي توفر السلاح والخبرة والمقاتلين وتساهم في إطالة عمر الصراع.