تتوالى الشهادات الصادمة التي تكشف عن حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون، خاصة الأطفال، في سجون الاحتلال الإسرائيلي. فقد كشف عدد من الأطفال المحررين من قطاع غزة، ضمن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، عن ممارسات وحشية يتعرضون لها داخل المعتقلات، تشمل التعذيب الجسدي والنفسي، التجويع، الحرمان من العلاج، وحتى القتل تحت التعذيب.

هذه الشهادات تعكس واقعًا مرعبًا يواجهه الأسرى الفلسطينيون، لا سيما من اعتقلوا بعد السابع من أكتوبر، في ظل حملة الاعتقالات الجماعية التي نفذها جيش الاحتلال خلال عدوانه على غزة. ومع تزايد أعداد المعتقلين، ازداد حجم الانتهاكات، وسط صمت دولي يعزز سياسة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها الاحتلال.

“حاربونا نفسيًا وجسديًا”.. شهادات تقشعر لها الأبدان

الطفل صلاح المقيد، أحد الأسرى المحررين، وصف الظروف داخل السجون الإسرائيلية بأنها أشبه بمعتقلات الموت، وقال:“حاربونا نفسيًا وجسديًا، كان هناك 4 رجال كبار في السن تعرضوا لجلطات ولم يتمكنوا من الحركة، وكنا ننام على الأرض دون غطاء أو علاج، وكبار السن يموتون من الجوع.”

هذه الشهادة تلقي الضوء على المعاملة اللاإنسانية التي يواجهها الأسرى، حيث يُترك المرضى دون علاج حتى يفارقوا الحياة، فيما يُحرم المعتقلون من أبسط مقومات الحياة، مثل الطعام والماء.

أما الطفل أحمد خريس، الذي اعتقل في يناير 2024 من مدينة خانيونس، فقد أكد أنه رأى أشخاصًا يموتون تحت التعذيب. وقال إن المحققين الإسرائيليين استخدموا أساليب ترهيب وحشية، مثل إحضار أطراف مقطوعة يعتقد أنها لأسرى فلسطينيين، لإخافة المعتقلين وإجبارهم على الاعتراف.

وأضاف:“قدمي كانت مصابة، ولم أُعالج، لم أر الشمس، ولا يوجد طعام أو ماء، حتى الحمامات غير متاحة لنا.”

التعذيب النفسي والإذلال: سياسة ممنهجة ضد الأطفال

شهادات أخرى كشفت عن المعاملة المهينة التي يتعرض لها الأسرى الأطفال داخل السجون. فقد قال الطفل محمد السقا إن الاحتلال كان يستخدم أساليب قاسية لإضعاف معنوياتهم، مضيفًا: “الوضع كان سيئًا جدًا، ضرب وقهر وإذلال لا يمكنني وصفه بالكلمات. كانوا يقولون لنا: غزة تم إبادتها، ولن تعودوا إليها.”

تصريحات السقا تعكس سياسة إسرائيلية تهدف إلى تحطيم نفسية الأطفال الأسرى، من خلال ترويج فكرة أن منازلهم دُمّرت وأنهم لن يعودوا إليها، في محاولة لمحو هويتهم الوطنية وإضعاف روحهم المعنوية.

أما الطفل أحمد سمر، فقد تحدث عن قسوة السجانين في سجني “مجدو” و”سدي تيمان”، حيث أجبرهم الجنود الإسرائيليون على الجلوس على ركبهم لفترات طويلة في وضع مؤلم. كما أشار إلى أن الاحتلال كان يتعمد تكسير أرجل بعض الأسرى، ما أدى إلى استشهاد عدد منهم تحت التعذيب.

الاعتقالات الجماعية.. استراتيجية لإبادة المجتمع الفلسطيني

الاعتقالات التي طالت مئات الفلسطينيين، بينهم أطفال ونساء، بعد السابع من أكتوبر، لم تكن مجرد إجراءات أمنية كما يدّعي الاحتلال، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة المجتمع الفلسطيني عبر العنف المفرط والاعتقال التعسفي.

ومع الإفراج عن دفعة من الأسرى ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بدأت تتكشف تفاصيل الانتهاكات التي مورست داخل السجون، والتي تشمل:

  • التعذيب الجسدي المفرط: حيث يتم الاعتداء على الأسرى بالضرب الوحشي، والإهمال الطبي المتعمد.
  • التعذيب النفسي والترهيب: عبر استخدام أساليب مخيفة مثل التهديد بالإبادة، وإحضار أطراف مقطوعة لترويع المعتقلين.
  • التجويع والإهمال الصحي: حيث يُحرم الأسرى من الطعام والرعاية الطبية، ما أدى إلى وفاة بعضهم داخل المعتقلات.

الاحتلال أمام المساءلة الدولية: هل يتحرك المجتمع الدولي؟

رغم الأدلة القاطعة التي تؤكد ارتكاب الاحتلال لجرائم حرب بحق الأسرى، لا تزال المنظمات الحقوقية الدولية عاجزة عن اتخاذ إجراءات فعلية لمحاسبة إسرائيل. ورغم تصاعد الأصوات المطالبة بإجراء تحقيقات دولية، إلا أن الدعم الغربي للاحتلال يحول دون فرض أي عقوبات رادعة.

إن استمرار هذه الانتهاكات في ظل الصمت الدولي، يجعل الاحتلال الإسرائيلي يتمادى أكثر في جرائمه، وسط غياب أي رادع قانوني حقيقي. ومع تزايد التقارير التي تؤكد تعرض الأسرى، بمن فيهم الأطفال، للتعذيب الوحشي، فإن منظمات حقوق الإنسان مطالبة باتخاذ موقف أكثر جدية لمحاسبة الاحتلال أمام المحاكم الدولية.

الأسرى الأطفال.. جيل يُقتل داخل السجون

ما كشف عنه الأطفال المحررون من سجون الاحتلال، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية وقانونية. فاستهداف الأطفال بالاعتقال والتعذيب ليس مجرد انتهاك عابر، بل هو جريمة ممنهجة تهدف إلى تدمير جيل فلسطيني بأكمله.

وفي ظل هذه الجرائم المستمرة، يبقى السؤال: متى يتحرك العالم لإنقاذ الأسرى الفلسطينيين، ومنع الاحتلال من تحويل سجونه إلى مقابر مفتوحة؟

اقرأ أيضا: الضفة الغربية تحت نيران الاحتلال: تهجير قسري ومقاومة متصاعدة وسط تواطؤ السلطة الفلسطينية