في وقت تتجه فيه أنظار الإعلام الدولي نحو الصراعات الإقليمية الكبرى، فجّرت وكالة “بلومبيرغ” (Bloomberg) للأنباء مفاجأة ثقيلة من خلف الأبواب المغلقة لكبرى بنوك ومؤسسات الاستثمار في “وول ستريت”؛ حيث يستعد قادة المال العالمي لسيناريوهات مواجهة مريرة وحرب اقتصادية طاحنة بدأت تلوح في الأفق بين محور الشر: السعودية والإمارات وهو الصراع الإستراتيجي الذي يهدد تدفقات رؤوس الأموال العالمية البالغة تريليونات الدولارات.

وكشفت نقاشات سرية أجرتها الوكالة مع أكثر من اثني عشر مصرفياً في “غولدمان ساكس”، و”مورغان ستانلي”، ومديري صناديق عملاقة مثل “بلاك روك”، و”بلاكستون”، عن قلق عميق ومكتوم يراود أساطين المال؛ حيث بدأت هذه المؤسسات بالفعل في صياغة “خطط طوارئ” لفصل عملياتها اللوجستية والمصرفية بين الرياض وأبوظبي، تحسباً للحظة التي سيجبر فيها الطرفان الشركات العالمية على الاختيار الحتمي والنهائي بين المعسكرين.

جذور الصراع: طعنات متبادلة وتصفية حسابات من اليمن إلى “أوبك”

وتأتي هذه التطورات المكتومة لعام 2026 الحالي لتعكس التباعد الجيوسياسي العميق الذي بدأ يخرج عن السيطرة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد؛ حيث تحول التحالف القديم إلى تصفية حسابات شرسة وعلنية في عدة ملفات ساخنة:

  1. نفوذ البحر الأحمر واليمن: تحركت الرياض بحسم لإنهاء وتقليص الدور الإماراتي التخريبي في اليمن، وقطع مخالب أبوظبي في القرن الأفريقي وممرات البحر الأحمر.
  2. الخروج المفاجئ من “أوبك”: وجّهت الإمارات طعنة إستراتيجية للاقتصاد السعودي ولتكامل المنظمة النفطية بإعلان انسحابها المفاجئ في أبريل/نيسان الماضي، رغبة منها في التحرر من قيود الإنتاج لزيادة عوائدها، مما فجر “حرب أسعار نفطية” تضغط على الميزانية السعودية التي تعاني عجزاً متزايداً جراء الإنفاق الباذخ على مشاريع “رؤية 2030”.
  3. الملف الإيراني: تباينت المواقف بشكل فاضح؛ حيث فضلت الرياض مهادنة طهران لحماية منشآتها، بينما اندفعت أبوظبي نحو خيارات تصادمية وتطبيعية لحماية مصالحها الضيقة.

التضييق المصرفي وحظر التأشيرات: الحرب الباردة تبدأ فعلياً

ولم يعد الخلاف مجرد سجال سياسي؛ بل بدأ يضرب مفاصل البيزنس اليومي بين البلدين اللذين يبلغ حجم تبادلهما التجاري 26 مليار دولار:

  • تعطيل التحويلات البنكية: أبلغت شركات متعددة الجنسيات عن تأخيرات غير معتادة وحظر مبطن للتحويلات المالية الصادرة من السعودية إلى الإمارات خلال الأسابيع الماضية دون مبررات تقنية.
  • حرب التأشيرات والمقرات: ضيقت الرياض شروط منح تأشيرات العمل لموظفي الشركات المقيمة في دبي، تزامناً مع تفعيل إنذارها النهائي للشركات العالمية بقطع العقود الحكومية معها ما لم تنقل مقراتها الإقليمية بالكامل إلى الرياض، وهو السلوك الذي وصفه اقتصاديون بـ “البلطجة الاستثمارية المتبادلة”.

ونقلت “بلومبيرغ” عن حسين ناصر الدين، الرئيس التنفيذي لشركة “كراونوكس” لإدارة المخاطر، قوله: “أصبحت المؤسسات المالية تنظر إلى التباعد السعودي الإماراتي كأمر واقع يستدعي وضع خطط فصل لوجستية كاملة ومراجعة بنود القوة القاهرة في العقود تفادياً للوقوع في فخ العقوبات المتبادلة”.

مأزق وول ستريت: السير على حبل مشدود بين جشعين

ويضع هذا الصراع المتصاعد عمالقة وول ستريت في مأزق أخلاقي ومالي كبير؛ فالصناديق السيادية للبلدين تدير مجتمعة أصولاً تتجاوز 3 تريليونات دولار، ويمثل غضب أي طرف خسارة لمليارات الدولارات من رسوم الصفقات والاستشارات (والتي بلغت قفزة تاريخية بنسبة 200% لتصل إلى 300 مليار دولار في النصف الأول من هذا العام).

وفي محاولة لحفظ خطوط الرجعة مع الطرفين المتناحرين، تتبع المصارف سياسة توازن دقيقة ومثيرة للشفقة؛ حيث سارعت “بلاك روك” للحصول على رخصة في أبوظبي بعد أسابيع فقط من إذعانها للضغوط السعودية وافتتاح مقرها في الرياض، فيما يعمد كبار المستثمرين إلى السفر الأسبوعي بين دبي والرياض هرباً من القيود والتقاليد الاجتماعية الصارمة في المملكة.

وبينما يحاول المسؤولون في الرياض وأبوظبي تقليل شأن الأزمة ببيانات دبلوماسية باهتة، يستحضر مسؤولو وول ستريت كابوس “حصار قطر عام 2017” الذي قادته الرياض وأبوظبي معاً بغباء سياسي واقتصادي كبد المنطقة خسائر ائتمانية فادحة واضطر المنظمات الدولية لنقل الأبقار جواً؛ واليوم تدور الدائرة على الحليفين السابقين ليتجرعا من ذات الكأس الإقصائية، وسط مخاوف من أن يدفع التنافس على زعامة الخليج والغطرسة الاقتصادية الطرفين إلى حافة الهاوية، مما سيعقد بالتبعية حسابات إدارة ترامب التي ترى في تشتت حلفائها النفطيين ضربة قاصمة لمصالحها الإستراتيجية في المنطقة.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال