لم تكد عائلة الهمص في قطاع غزة تفيق من صدمة اختطاف الدكتور مروان شفيق الهمص، المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، حتى طالتها يد الغدر مجدداً. فقد أقدمت قوة خاصة تابعة لمجموعات العميل ياسر أبو شباب، على اختطاف الحكيمة تسنيم مروان شفيق الهمص من أمام مكان عملها، في جريمة تعكس حجم الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي عبر أذرعه الأمنية المحلية.

هذه الجريمة ليست حادثة فردية، بل هي استكمال ممنهج لسياسة القمع والإخفاء القسري، حيث تستهدف العقول والكفاءات الفلسطينية بهدف كسر إرادة المجتمع الغزيّ وإرباك بنيته الإنسانية.

خلفيات الاختطاف واستمرار نهج العصابة

تسنيم الهمص، الحكيمة العاملة في القطاع الصحي، لم تكن مجرد موظفة عادية، بل رمزاً لجيل جديد من الكفاءات الطبية في غزة. اختطافها يأتي كحلقة ثانية بعد جريمة خطف والدها الدكتور مروان، الذي كان من أبرز الأصوات الرسمية التي وثّقت جرائم الاحتلال في القطاع المحاصر ونقلت للعالم مأساة المستشفيات التي تُقصف والمصابين الذين يُتركون بلا دواء أو أجهزة إنعاش.

عصابة ياسر أبو شباب، التي تعمل تحت غطاء الاحتلال، عُرفت في السنوات الأخيرة بتنفيذ سلسلة من العمليات القذرة ضد الأطباء والكوادر الفلسطينية. أبرز تلك العمليات كانت اختطاف الدكتور مروان الهمص أثناء توجهه لأداء عمله في وزارة الصحة، حيث تم اقتياده بالقوة إلى جهة مجهولة. وقد أثارت تلك الجريمة حالة استنكار واسعة، إذ رآها الفلسطينيون محاولة متعمدة لإسكات الصوت الطبي والمهني الذي يفضح الحصار وجرائم الحرب.

إن استهداف الأب والابنة معاً يحمل رسالة واضحة: الاحتلال لا يكتفي بضرب المقاومة المسلحة، بل يتعمد تجفيف منابع القوة المجتمعية عبر إرهاب العائلات وإرغامها على الصمت، في مشهد يفضح عقلية انتقامية لا تعرف حدوداً ولا تحترم قانوناً.

جرائم أبو شباب: خيانة تتجاوز الفرد إلى مشروع كامل

ليست حادثة الهمص الأولى التي تقف وراءها عصابة ياسر أبو شباب. فالتاريخ القريب يشهد على سلسلة من الجرائم المشابهة، حيث تورطت هذه المجموعات العميلة في عمليات اختطاف، تعذيب، وتصفية جسدية بحق نشطاء وأطباء وأكاديميين من غزة، بتنسيق مباشر مع أجهزة الاحتلال.

قبل سنوات، اختطف عناصر أبو شباب أحد الأطباء البارزين في القطاع، في عملية مشابهة من حيث التخطيط والتنفيذ. تم التعتيم حينها على تفاصيل الجريمة، لكن تسربت شهادات لاحقة أكدت أن الهدف لم يكن سوى تحطيم الروح المعنوية للمجتمع الطبي الذي يُشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة آثار الحرب والحصار.

ومن المعروف أن هذه العصابة لم تتورع عن استخدام الخطف والابتزاز لإرغام الضحايا على الإدلاء بمعلومات حساسة، أو للتأثير على الرأي العام عبر نشر روايات مزيفة. كما أنها لعبت دوراً في محاولة نشر الفوضى داخل المجتمع الفلسطيني، بما يخدم استراتيجية الاحتلال الرامية إلى تفكيك البنية الداخلية وتفجيرها من الداخل.

وبينما تحاول الرواية الرسمية للاحتلال التبرؤ من هذه الجرائم، فإن الوقائع الميدانية تؤكد أن أبو شباب ومجموعاته ليسوا سوى ذراع أمنية قذرة تتحرك بأوامر مباشرة، هدفها ضرب النسيج الوطني الفلسطيني، وتشويه صورة المقاومة، وإرغام المجتمع على الاستسلام.

ردود الفعل والرسائل المستخلصة

أثارت حادثة اختطاف الحكيمة تسنيم الهمص موجة غضب واسعة في الأوساط الفلسطينية، حيث اعتُبرت جريمة نكراء وجبانة، لا تعكس سوى الخسة والدناءة التي يتمتع بها مرتكبوها. بيانات الاستنكار التي صدرت عن فصائل فلسطينية ومؤسسات حقوقية شددت على أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن محاسبة مرتكبي هذه الجرائم مسألة وقت لا أكثر، وأن الحساب سيكون عسيراً.

العائلة نفسها أصدرت بياناً مؤثراً أكدت فيه أن ما حدث لن يزيدها إلا صلابة، وأن كل محاولة لإسكات صوتها ستبوء بالفشل. كما دعت المنظمات الدولية إلى التدخل العاجل للكشف عن مصير تسنيم ووالدها، محمّلة الاحتلال كامل المسؤولية عن حياتهما وسلامتهما.

إن هذه الجريمة، وإن كانت حلقة جديدة في مسلسل طويل من الاغتيالات والاختطافات، تكشف بوضوح أن الاحتلال انتقل من استهداف المقاومين بالسلاح إلى استهداف المجتمع المدني عبر “عصابات ظل” تُنفذ أخطر المهام القذرة. وهي رسالة لكل العالم أن ما يجري في غزة ليس مجرد “صراع عسكري”، بل حرب شاملة على المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته، تبدأ من القادة الميدانيين ولا تنتهي عند الأطباء والممرضين.

خاتمة: الحق لا يسقط والتاريخ لا يرحم

إن اختطاف تسنيم الهمص بعد والدها مروان يمثل تصعيداً نوعياً في جرائم الاحتلال وأعوانه، ويؤكد أن المستهدف ليس أفراداً بعينهم، بل كرامة المجتمع الفلسطيني بأسره. ومن المؤكد أن هذه الجرائم لن تُمحى من ذاكرة الشعب، ولن تسقط بالتقادم، بل ستبقى شاهدة على خيانة العملاء وعلى طبيعة الاحتلال الذي يستعين بهم لتنفيذ مخططاته.

وليعلم القاصي والداني أن هذه الجرائم لن تمر دون حساب، وأن الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يعانيه من حصار وقمع وتجويع، سيظل متمسكاً بحقوقه، مؤمناً بأن العدالة آتية، وأن التاريخ لا يرحم الخونة ولا الغزاة، مهما طال الزمن.

اقرأ أيضًا : كمين سرايا القدس في غزة: صفعة جديدة لجيش الاحتلال