في سلسلة تصريحات لافتة تعكس تحولات عميقة في الخطاب السياسي الأمريكي، كشف مسؤولون بارزون في واشنطن عن ملامح مرحلة جديدة من الصراعات الدولية، تتداخل فيها المصالح العسكرية والعقائدية والاستعمارية بشكل غير مسبوق. وجاءت هذه التصريحات، التي رصدتها الصحفية والكاتبة السياسية كايتلين جونستون، لتضع إسرائيل في قلب التخطيط العسكري العالمي، وتعيد الترويج لفكرة الهيمنة الغربية على دول الجنوب، في مشهد يعكس عودة صريحة لمنطق الإمبراطوريات القديمة.

إسرائيل كمركز لتخطيط “حروب المستقبل”

خلال مؤتمر صحفي عقده في تل أبيب عقب لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المعروف بمواقفه الصهيونية وعلاقاته الوثيقة بالإمارات، إن “حروب المستقبل تُخطط هنا في إسرائيل”، في تصريح يحمل دلالات استراتيجية خطيرة.

وأوضح غراهام أنه يزور المنطقة بشكل متكرر، “كل أسبوعين”، في إشارة إلى مستوى التنسيق العالي بين واشنطن وتل أبيب، مؤكدا أن إسرائيل تضم، حسب وصفه، “أكثر القوات العسكرية ذكاءً وإبداعا على هذا الكوكب”.

هذا الخطاب لا يعكس فقط إعجابا عسكريا، بل يرسخ فكرة أن إسرائيل باتت مختبرا مفتوحا للتقنيات الأمنية والحربية، التي تُختبر على الفلسطينيين ثم تُصدّر للعالم، ضمن منظومة متكاملة من العنف الممنهج والتجريب الميداني.

منطق “التقدم العسكري” وتبرير العنف

غراهام لم يخفِ فلسفته القائمة على التفوق العسكري الدائم، إذ قال: “إذا لم تكن خطوة واحدة أمام العدوّ، ستعاني”. وهو منطق يقوم على سباق تسلح دائم، وتحويل العالم إلى ساحة مواجهة مستمرة.

هذا الطرح يبرر، ضمنيا، الحروب الاستباقية، والضربات الوقائية، وتوسيع نطاق النزاعات، بذريعة “الأمن” و”الردع”، دون اعتبار لتكلفتها الإنسانية أو السياسية.

وفي هذا السياق، تصبح إسرائيل، بما تمتلكه من خبرات في الحروب غير المتكافئة والرقابة والتجسس، نموذجا مثاليا لهذا النمط من الصراع، وهو ما يفسر الدعم الأمريكي غير المشروط لها.

التحضير العلني لمواجهة مع إيران

في حديثه عن إيران، أقر غراهام بإمكانية اندلاع حرب مباشرة، معترفا بأن الجنود الأمريكيين قد يتعرضون لهجمات صاروخية.

وقال بوضوح: “هل يمكن أن يصاب جنودنا؟ بالتأكيد… هل يمكن لإيران الرد؟ بالتأكيد”. لكنه رغم ذلك، شدد على ضرورة المضي في خيار الحرب، معتبرا أن “المخاطرة في التردد أكبر من المخاطرة في المواجهة”.

هذا الخطاب يعكس عقلية مغامِرة، ترى في الحرب وسيلة طبيعية لتحقيق الأهداف السياسية، حتى لو كان ثمنها دماء الجنود واستقرار المنطقة بأكملها.

روبيو وإحياء مشروع الهيمنة الغربية

بالتزامن مع تصريحات غراهام، ألقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطابا في مؤتمر ميونيخ للأمن، دعا فيه بشكل صريح إلى إعادة إحياء الهيمنة الغربية على دول الجنوب العالمي.

وأشار روبيو إلى أن الغرب، عبر خمسة قرون، توسع من خلال “المستكشفين والمبشرين والجنود”، معترفا بأن هذا المشروع تراجع بعد الحرب العالمية الثانية بسبب الثورات المناهضة للاستعمار.

غير أنه تعامل مع هذا التراجع باعتباره خسارة يجب تعويضها، داعيا أوروبا للانضمام إلى واشنطن في “مهمة الاستعادة والتجديد”، تحت قيادة الرئيس ترامب.

خطاب الهوية المسيحية والحضارية

في جزء آخر من خطابه، شدد روبيو على ما وصفه بـ”الحضارة الغربية المشتركة”، مؤكدا أن الولايات المتحدة وأوروبا تنتميان إلى منظومة واحدة قائمة على الإيمان المسيحي والتراث المشترك.

هذا الطرح يعيد إنتاج خطاب التفوق الحضاري، ويؤسس لسياسات إقصائية تعتبر بقية شعوب العالم “أطرافا هامشية”، لا شركاء متكافئين، ما يبرر التدخل في شؤونهم تحت غطاء “الحضارة” و”القيم”.

قراءة جونستون: عودة الإمبراطورية بلا أقنعة

الكاتبة كايتلين جونستون رأت أن تصريحات غراهام وروبيو تمثل عودة صريحة لـ”حب الإمبراطورية الغربية الكلاسيكية”، تلك التي قامت تاريخيا على الإبادة الجماعية، وتجارة العبيد، واستعباد الشعوب.

وأشارت إلى أن هذه المنظومة ما تزال تمارس سياسات وحشية في العصر الحديث، من غزة إلى كوبا، ومن العقوبات الاقتصادية إلى التهديد بالحرب على إيران، فضلا عن الفضائح الأخلاقية التي تلاحق النخب الحاكمة.

تحالف المصالح: واشنطن وتل أبيب وأبوظبي

لا يمكن فصل تصريحات غراهام عن شبكة التحالفات الإقليمية، وعلى رأسها العلاقة المتنامية بين إسرائيل والإمارات، برعاية أمريكية. هذا التحالف، الذي يجمع بين المال والسلاح والتكنولوجيا، يشكل اليوم أحد أعمدة النظام الإقليمي الجديد.

وفي هذا السياق، يظهر غراهام كأحد أبرز الوجوه السياسية التي تروج لهذا المحور، سياسيا وإعلاميا، وتسعى لتكريسه كقوة مهيمنة في المنطقة.

أزمة أخلاقية وسياسية عميقة

في ختام قراءتها، أكدت جونستون أن “الحضارة الغربية” لا تحتاج إلى استعادة مجدها الإمبراطوري، بل إلى مراجعة جذرية لسياساتها وسلوكها.

فطبيعة المسؤولين الذين يقودون هذه المنظومة، وخطاباتهم القائمة على الحرب والتفوق والاستعلاء، تكشف عن أزمة أخلاقية وسياسية عميقة، تهدد ليس فقط دول الجنوب، بل استقرار النظام العالمي بأكمله.

وفي ظل هذا المسار، تبدو “حروب المستقبل” التي يتحدث عنها غراهام أقرب إلى كوارث مؤجلة، تُصنع في غرف مغلقة، وتُدفع فاتورتها من دماء الشعوب الضعيفة.

اقرأ أيضًا : برصاص الاحتلال في قلقيلية.. شهيد جديد يكشف إجرام إسرائيل وصمت سلطة عباس