في وقت تتسارع فيه وتيرة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، تكشف استطلاعات الرأي الأمريكية عن مفارقة لافتة: إدارة دونالد ترامب تمضي في خيار المواجهة، بينما تميل غالبية الأمريكيين إلى رفض هذه الحرب. هذه الفجوة بين صانع القرار والرأي العام ليست مجرد اختلاف سياسي عابر، بل تعكس أزمة ثقة عميقة، وتخوفًا متزايدًا من تكرار سيناريوهات حروب مكلفة وطويلة في الشرق الأوسط، خاصة مع انخراط الاحتلال الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو في العمليات العسكرية.

أرقام تعكس المزاج الشعبي: رفض واضح للحرب

تشير نتائج عدة استطلاعات حديثة إلى أن المزاج العام في الولايات المتحدة يميل بوضوح ضد الضربات العسكرية على إيران. فوفقًا لاستطلاع “رويترز-إبسوس”، يعارض نحو 61% من الأمريكيين هذه الضربات، مقابل تأييد لا يتجاوز 35%. أما مركز “بيو” للأبحاث، فقد أظهر أن 59% يرون أن قرار استخدام القوة كان خاطئًا، في حين اعتبره 38% فقط قرارًا صائبًا. هذه الأرقام تتكرر تقريبًا في استطلاعات أخرى مثل “كوينيبياك” و”AP-NORC”، حيث تتراوح نسبة المعارضين بين 54% و59%.

الأهم من ذلك أن نسبة كبيرة من الأمريكيين لا ترى فقط أن الحرب غير مبررة، بل تعتقد أيضًا أنها ستجعل الولايات المتحدة أقل أمانًا على المدى الطويل. هذا الإدراك يعكس تحولًا في وعي الشارع الأمريكي، الذي بات أكثر تشككًا في جدوى التدخلات العسكرية الخارجية، خاصة بعد تجارب العراق وأفغانستان.

انقسام حزبي… ولكن ليس حاسمًا

رغم وضوح الرفض الشعبي العام، إلا أن المشهد لا يخلو من انقسام حزبي تقليدي. الديمقراطيون والمستقلون يعارضون الحرب بشكل قوي، معتبرين أنها مغامرة غير محسوبة قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع. في المقابل، تميل القاعدة الجمهورية إلى دعم التحرك العسكري، لكنها ليست موحدة بالكامل؛ إذ تظهر بعض الاستطلاعات تراجعًا نسبيًا في الحماس للحرب حتى داخل هذا المعسكر.

هذا الانقسام يعكس طبيعة الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن حدود الدعم الذي يمكن أن يحصل عليه ترامب. فحتى داخل قاعدته، هناك قلق من التورط في صراع طويل ومكلف، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية.

التصعيد العسكري رغم الرفض الشعبي

على الرغم من هذا الرفض الواسع، تواصل الإدارة الأمريكية تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط. فقد كشفت تقارير عن دراسة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إرسال نحو 10 آلاف جندي إضافي إلى المنطقة، إلى جانب قوات سبق الإعلان عنها، تشمل آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جوًا، ونحو 5 آلاف من مشاة البحرية.

هذا التوجه يعكس إصرار الإدارة على إبقاء الخيار العسكري مفتوحًا، وربما توسيعه، حتى في ظل المفاوضات الجارية مع إيران. غير أن هذا التصعيد يثير تساؤلات حول مدى استعداد واشنطن لتحمل تبعات حرب إقليمية قد تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، خاصة مع تهديدات طهران باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.

حرب متعددة الجبهات… وتداعيات إنسانية

منذ أواخر فبراير، تشهد المنطقة تصعيدًا غير مسبوق، مع شن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية داخل إيران، أسفرت عن مئات القتلى ودمار واسع. في المقابل، ترد طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه مواقع إسرائيلية، إلى جانب استهداف ما تصفه بـ”القواعد والمصالح الأمريكية” في عدة دول عربية.

هذا التصعيد لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى تداعيات إنسانية خطيرة، مع سقوط ضحايا مدنيين وتضرر منشآت حيوية. كما أن اتساع رقعة المواجهة يزيد من احتمالات انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، وهو ما يثير مخاوف حقيقية لدى الرأي العام الأمريكي والعالمي.

سياسات ترامب ونتنياهو: مغامرة أم استراتيجية؟

يرى منتقدو الإدارة الأمريكية أن ما يجري ليس مجرد رد فعل على تهديدات أمنية، بل هو جزء من سياسة هجومية يقودها ترامب بالتنسيق مع نتنياهو، تقوم على فرض واقع جديد بالقوة. غير أن هذه السياسة تُتهم بأنها تتجاهل العواقب بعيدة المدى، سواء على استقرار المنطقة أو على مكانة الولايات المتحدة نفسها.

فبدلًا من تعزيز الأمن، قد تؤدي هذه الحرب إلى زيادة التوترات، وتوسيع دائرة العداء، وخلق بيئة خصبة لمزيد من الصراعات. كما أن استمرار العمليات العسكرية رغم الرفض الشعبي يطرح تساؤلات حول مدى احترام الإدارة لإرادة الناخبين، ويعزز الاتهامات بأنها تدفع البلاد نحو حرب لا تحظى بشرعية داخلية كافية.

خاتمة: إلى أين تتجه الولايات المتحدة؟

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الولايات المتحدة تقف أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تستمر في نهج التصعيد، متجاهلة تحذيرات الرأي العام، أو أن تعيد تقييم استراتيجيتها وتبحث عن حلول دبلوماسية أكثر استدامة. لكن المؤكد أن الفجوة بين الشارع وصانع القرار ستظل عامل ضغط متزايد، قد ينعكس على مستقبل الإدارة الأمريكية، وعلى شكل الدور الأمريكي في العالم خلال السنوات المقبلة.

ااقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران