حذرت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، في تحليل صحفي مفصل وموسع شمل قراءة استراتيجية للمشهد الجيوسياسي الدولي، من أن العالم يترنح ويسير بخطى متسارعة نحو خطر اندلاع “حرب عالمية ثالثة”، جراء الانهيار المتلاحق لمنظومات ومفاهيم السلام الدولي التي ظلت مسلّماً بها ومستقرة لعقود طويلة في أوروبا الغربية والشرق الأوسط وشرق آسيا.

تراكم الأزمات الدولية وتداعي الملاحة والأمن الإقليمي

ورصد التقرير توالي الأزمات والعواصف العسكرية الكبرى خلال فترة زمنية وجيزة؛ حيث تجلت هذه الصدمات بدءاً من الهجمات والضربات الصاروخية الدامية التي طالت العمق السعودي وشلت الحركة الملاحية بـ الرياض، مروراً بالتصعيد الميداني المكثف للغارات الروسية ضد المدن الأوكرانية وتخوف دول شرق أوروبا كـ بولندا من امتداد شرارة الهجمات لـ الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى إجراء الصين مناورات عسكرية ضخمة بـ الذخيرة الحية امتدت لعدة أيام على طول سواحلها قرب تايوان.

تراجع القوة الغربية وانهيار هيمنة «مجموعة السبع»
وأرجعت الصحيفة البريطانية هذا التحول الجذري والخطير في المناخ السياسي العالمي إلى إعادة تشكل ميزان القوى الدولي وتراجع الهيمنة الغربية؛ حيث انخفضت الحصة الاقتصادية والعسكرية لـ دول مجموعة السبع (G7) من ثلثي الناتج المحلي والإنفاق العسكري العالمي عام 1989 إلى أقل من النصف حالياً. وأوضح التحليل أن هذا التراجع النسبي للقوة الأمريكية والغربية أفسح المجال أمام القوى الساعية لـ “المراجعة” وتحدي الترتيبات القائمة لبناء نفوذها وتحدي الهيمنة الأحادية واقتناص مكاسب ميدانية بـ القوة.

صعود «محور الخصوم» وتنسيق الجبهات العابرة للقارات
وسلط التحليل الصحفي الضوء على تشكل وتكامل ما بات يُعرف بـ «محور الخصوم» الذي يجمع كلاً من روسيا، الصين، إيران، وكوريا الشمالية؛ إذ تتبادل هذه الدول الدعم التقني والعسكري وتبادل الخبرات التشغيلية لتحدي النظام الأمني العالمي الذي تقوده واشنطن. وتتكامل جهود هذا المحور لتقويض الحضور الأمريكي بـ حلف الناتو، وتأمين الممرات البحرية بـ الخليج العربي ومحيط مضيق هرمز، وتثبيت النفوذ بـ بحر الصين الجنوبي، وسط تحذيرات أمنية متصاعدة من احتمالية قيام هذا التحالف بتنسيق هجمات عسكرية متزامنة ومزدوجة في آسيا وأوروبا بوقت واحد.

انتقاد فلسفة “القوة تصنع الحق” وتقسيم العالم لمناطق نفوذ
وانتقد التقرير اعتماد القادة القوميين والسلطويين بالولايات المتحدة وروسيا والصين وإسرائيل مبدأ “القوة تصنع الحق” وإدارة الظهر للقوانين والأعراف الدولية، وفي مقدمتها حظر استيلاء وضم أراضي الدول الأخرى بـ القوة العسكرية. وأكدت الصحيفة أن الترويج لخطط تقسيم العالم بين القوى العظمى إلى “مناطق نفوذ” يمثل بيئة أمنية هشة؛ كونها تتجاهل سيادة وحقوق الدول الصغرى المجاورة وحقها في المقاومة، ولا تضمن منع الصدام المباشر بين الدول الكبرى.

تآكل الضمانات الأمريكية وأخطاء التقدير التاريخية
وحذرت «فايننشال تايمز» من أن الغموض الحاد والشكوك المتزايدة حول مدى التزام واشنطن بـ مظلة الردع العسكري والالتزامات الدفاعية تجاه حلفائها بـ حلف الناتو وشرق آسيا يمثل المحرك والشرارة الأكثر خطورة لاندلاع النزاعات الشاملة؛ حيث يستحضر هذا الغموض سوابق سوء التقدير والأخطاء الحسابية لـ القوى العظمى التي سبقت اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية حول جدية التعهدات والاتفاقيات الدولية.

هشاشة الرهانات الإقليمية وتعرية الأمن الخليجي
وتكشف هذه القراءة الدولية القاتمة عن التبعات العكسية والنتائج الكارثية التي أحدثتها المسارات التنازلية واندفاعات التطبيع الهشة التي قادتها الإمارات بـ المنطقة؛ إذ أسهمت أبوظبي في تقويض مقومات العمل العربي الموحد وإضعاف الجبهة الخليجية الجامعة لخدمة أجندات ذاتية ضيقة، ما أدى لضرب منظومة الحماية المتبادلة وترك المنطقة بأكملها مكشوفة أمام صراعات منطق القوة وتجاذبات المحاور الدولية المفتوحة، دون امتلاك رادع حقيقي أو ضمانات أمنية صلبة.