برلمان بلا أخلاق.. والفضائح تلاحقه من “هواوي” إلى دعم الإبادة
في أحدث فصول الفساد السياسي داخل أوروبا، كشفت السلطات البلجيكية عن تورط أعضاء في البرلمان الأوروبي في قضية فساد جديدة تتعلق بجماعات ضغط مرتبطة بشركة “هواوي” الصينية. القضية، التي أسفرت عن اعتقالات ومداهمات لمكاتب ومنازل مسؤولين برلمانيين، تأتي ضمن سلسلة من الفضائح التي تظهر أن المؤسسات الأوروبية ليست بتلك النزاهة التي تحاول تصديرها للعالم، وأن خطابها عن الشفافية والمحاسبة ليس سوى صورة زائفة تهتز كلما انكشف خيط جديد من الفساد.
البرلمان الأوروبي، الذي يُفترض أنه مؤسسة تمثل “الضمير الديمقراطي” للغرب، بات عنوانًا لفضائح الرشاوى وشراء المواقف السياسية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى مصداقية القوانين والقرارات التي تصدر عنه، ومدى قدرة هذه المؤسسة على فرض معايير أخلاقية وهي نفسها غارقة في الفساد.
“حقوق الإنسان”.. شعار يُباع لمن يدفع أكثر
لطالما قدمت أوروبا نفسها على أنها المدافع الأول عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية، ولكن الفضائح المتتالية تثبت أن الأمر ليس سوى لعبة سياسية خاضعة للمصالح المالية. فمن جهة، يُبرر الغرب دائمًا تحركاته السياسية والعسكرية تحت ذريعة “الالتزام بالقيم”، لكنه من جهة أخرى يُظهر ازدواجية فاضحة عندما يتعلق الأمر بحلفائه الاستراتيجيين أو بمصالح لوبيات المال والشركات العملاقة.
فعلى سبيل المثال، كيف يمكن تفسير تبني العديد من النواب والحكومات الأوروبية لمواقف داعمة للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، وعدم قدرتهم حتى على إصدار بيان إدانة واحد للجرائم الوحشية التي تُرتكب بحق المدنيين الفلسطينيين؟ بل إن بعض الحكومات الأوروبية ذهبت إلى حد تجريم التضامن مع فلسطين، وملاحقة الأصوات المناهضة للصهيونية، وكأن حرية التعبير والعدالة تقف عند حدود تل أبيب!
وكذلك، لماذا يتعامل البرلمان الأوروبي مع الإمارات وكأنها “شريك موثوق” في حين أنها متورطة في جرائم حرب في اليمن والسودان، وتمارس أبشع أشكال القمع ضد النشطاء في الداخل؟ هل حقًا هؤلاء المشرعون الأوروبيون لا يعلمون ما يحدث؟ أم أن ذممهم قد اشتُريت كما تثبت هذه الفضائح، ليغضوا الطرف عن كل ما يخالف مصالح الجهات التي تدفع لهم؟

من “هواوي” إلى دعم الأنظمة القمعية.. برلمان للبيع
التحقيقات الجارية حول فضيحة “هواوي” تُظهر مدى تغلغل المصالح الاقتصادية في قلب العملية التشريعية الأوروبية، إذ كشفت الوثائق المسربة أن بعض النواب تلقوا رشاوى ومكافآت لتمرير قرارات تصب في صالح الشركات الصينية، مقابل التأثير على السياسات الأوروبية.
إذا كان من السهل شراء ولاء نواب أوروبيين من أجل تمرير قوانين لصالح شركات اتصالات، فما الذي يمنع من شراء ولاء بعضهم لدعم أنظمة قمعية، أو التصويت ضد قرارات تدين جرائم حرب؟ إذا كان هؤلاء لا يترددون في بيع نفوذهم السياسي مقابل مكاسب مالية، فلماذا نتوقع منهم أن يكونوا أصحاب ضمير في قضايا العدالة الدولية؟
هؤلاء لا يجب أن يكونوا مقياسًا أخلاقيًا
إن القيم الغربية، التي يتم الترويج لها كمعيار عالمي للنزاهة والعدالة، تنهار عندما يتم كشف حقيقة أن من يدّعون حملها غارقون في الفساد والرشاوى والصفقات القذرة. من غير المقبول أن يُستخدم البرلمان الأوروبي كأداة لمحاضرة الدول الأخرى حول الديمقراطية، بينما أعضاؤه أنفسهم متورطون في عمليات فساد مالي وسياسي لصالح جهات مشبوهة.
هذه الفضيحة ليست مجرد “حدث عابر”، بل هي دليل إضافي على أن بعض السياسيين الأوروبيين مستعدون لبيع مبادئهم وقوانينهم لمن يدفع أكثر، سواء كانت شركات تكنولوجية، أو أنظمة ديكتاتورية، أو حتى لوبيات الضغط الصهيونية.
لذلك، يجب إسقاط هذه الصورة المزيفة التي تحاول أوروبا تصديرها لنفسها كمركز للأخلاق والنزاهة، ويجب أن يدرك الجميع أن البرلمان الأوروبي، مثل غيره من المؤسسات، ليس محصنًا من الفساد، بل هو جزء من لعبة المصالح التي تحكم العالم.