في شهادة صادمة تفضح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين، كشفت المحامية غيد غانم قاسم، عبر منشور لها على صفحتها في “فيسبوك”، تفاصيل مروعة عن الحالة الصحية للدكتور حسام أبو صفية، الطبيب الفلسطيني المعتقل منذ أواخر عام 2024.
وذكرت قاسم أن موكّلها “ليس بخير”، مشيرة إلى أنه فقد أكثر من 40 كيلوغراماً من وزنه بسبب التعذيب وسوء المعاملة، ويعيش في ظروف قاسية أشبه ما تكون ببطء القتل تحت غطاء الاعتقال.

اعتقال تعسفي لجراح بارز من داخل مستشفى
بدأت معاناة الدكتور حسام أبو صفية في 28 ديسمبر/كانون الأول 2024، حين اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، واعتقلت الطبيب المعروف بكفاءته في جراحة القلب.
لم يكن أبو صفية في ساحة قتال، بل في غرفة عمليات ينقذ أرواح المدنيين الفلسطينيين المصابين في القصف الإسرائيلي على غزة. عملية الاعتقال كانت همجية؛ تم اقتياده من داخل المستشفى بالقوة، في مشهد أثار الغضب الواسع داخل الأوساط الصحية والحقوقية في فلسطين وخارجها.
منذ تلك اللحظة، دخل الطبيب في سلسلة من الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية، حيث نُقل أولًا إلى سجن سدي تيمان سيئ السمعة، ثم إلى سجن عوفر، حيث لا يزال محتجزًا في قسم 24 – غرفة رقم 1، تحت ظروف تصفها محاميته بأنها “جحيمية”.
تعذيب ممنهج وفقدان وزن كارثي
بحسب محاميته، تعرّض د. حسام للضرب المبرح بتاريخ 24 يونيو/حزيران 2025، حين داهمت قوات الاحتلال زنزانته بشكل مباشر، وقامت بالاعتداء عليه بوحشية، خاصة على منطقة الصدر والرقبة والوجه والرأس، في عملية ضرب استمرت نحو نصف ساعة كاملة. المحامية وثّقت أن موكّلها خسر أكثر من 40 كيلوغراماً من وزنه، حيث كان يزن 100 كغ قبل الاعتقال، وانخفض إلى أقل من 60 كغ في الوقت الحالي.
ولم يقتصر الأمر على العنف الجسدي فقط، بل وُضِع في عزلة طويلة، محرومًا من أشعة الشمس، ويُجبر على ارتداء ملابس شتوية ممزقة حتى في فصل الصيف، ما يدل على ظروف احتجاز لا تمت للمعايير الإنسانية بصلة. كما تم كسر نظاراته الطبية ومنعه من زيارة طبيب مختص بالقلب رغم معاناته من اضطراب في نبضات القلب.
هذه الشهادات تضع الاحتلال في دائرة الاتهام المباشر بانتهاك اتفاقيات جنيف الرابعة، التي تنص على ضرورة معاملة المعتقلين معاملة إنسانية وتوفير الرعاية الطبية لهم، خاصة إذا كانوا من الكوادر الصحية أو المدنيين.
الاحتلال يستهدف الأطباء.. انتقام من الإنسانية
ما يتعرض له الدكتور حسام ليس حالة فردية، بل يأتي في إطار سياسة منهجية إسرائيلية تستهدف الكوادر الطبية الفلسطينية، باعتبارهم شهودًا على جرائم الحرب والانتهاكات المستمرة بحق المدنيين. منذ بداية الحرب على غزة أواخر عام 2023، وثّقت منظمات حقوقية عديدة، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، استهداف عشرات المستشفيات وقتل واعتقال عدد كبير من الأطباء والممرضين والمسعفين.
وفي هذا السياق، يمثّل اعتقال الدكتور أبو صفية أحد أوجه العقاب الجماعي الذي تمارسه سلطات الاحتلال، عبر استهداف كل من يحمل أدوات إنقاذ بدلًا من السلاح، وكل من يمارس مهنته بعناية في زمن الموت الجماعي. الطبيب الذي كان يداوي الجراح أصبح اليوم هو نفسه الجريح.
الأخطر من ذلك أن الاحتلال يرفض الإفراج عنه أو حتى السماح له بتلقي الرعاية الصحية اللائقة، في ما يبدو كأنّه سياسة قتل بطيء تجري تحت نظر المنظمات الدولية، التي تكتفي في الغالب ببيانات القلق والنداءات الضعيفة.
خاتمة: نداء لإنقاذ روح
قضية د. حسام أبو صفية تفتح ملفًا أكبر حول وضع الأسرى الفلسطينيين المرضى في سجون الاحتلال، والذين يعانون من الإهمال الطبي والتعذيب النفسي والجسدي، وسط صمت المجتمع الدولي. إنّ ما يحدث للطبيب الأسير ليس مجرد حادثة فردية، بل يعكس نهجًا ممنهجًا في التعامل مع الكوادر الطبية والناشطين والمدنيين الفلسطينيين.
تُحمّل هذه الجريمة علامات واضحة على سياسة الانتقام من كل ما هو إنساني في فلسطين، وكأن إنقاذ حياة طفل جريح صار جريمة تستحق التعذيب. وفي ظل استمرار هذا النهج، فإن الأصوات الحقوقية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة حول ظروف اعتقال الدكتور أبو صفية وسائر الأسرى الفلسطينيين، ومحاسبة قادة الاحتلال على جرائم التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان.
ففي النهاية، ليس حسام وحده من “ليس بخير” – بل شعب كامل يعاني تحت احتلال يواصل اعتقال الأطباء بدلًا من القتلة، ويمنح الضوء الأخضر لقتل الحياة باسم الأمن.
اقرأ أيضًا : أين السلطة؟.. مستوطنون يحرقون منازل بالخليل والجيش يصادر آلاف الدونمات بالضفة