في مشهد يعكس الانفلات الاستيطاني المتعمد والممنهج، أكد رئيس بلدية دوما بمحافظة نابلس، سليمان حسن دوابشة، أن أكثر من 300 مستوطن إسرائيلي شنوا هجومًا مسلحًا على القرية الواقعة جنوب المدينة، تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال، في واحدة من أعنف الهجمات التي تتعرض لها القرية.

الاعتداء الذي تخلله إطلاق رصاص حي وحرق ممتلكات مدنية، ليس حادثًا معزولًا، بل يأتي ضمن سلسلة من الجرائم اليومية التي تُمارس ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية في ظل تحريض رسمي وغطاء حكومي واضح.

هجوم منظم برعاية الاحتلال

بحسب إفادة دوابشة لقناة الجزيرة، فإن المستوطنين اقتحموا دوما من الجهة الغربية، وأطلقوا الرصاص الحي بشكل مباشر على السكان العزّل، ما أسفر عن إصابة خمسة فلسطينيين، في وقتٍ منعت فيه قوات الاحتلال سيارات الإسعاف من دخول القرية، لتفاقم من معاناة الجرحى وتعطل إنقاذهم في الوقت المناسب.

ليس ذلك فحسب، بل تعمد المستوطنون إحراق مركبات خاصة ومنشآت زراعية وحظائر ماشية، في سلوك يحمل نية التدمير الكامل للمقومات الحياتية للفلسطينيين.

الهجوم الأخير يأتي بعد أشهر قليلة من اعتداء مشابه تعرّضت له القرية في بداية العام، حين اقتحمها أكثر من 1500 مستوطن وتسببوا بخسائر مادية تُقدر بنحو 5 ملايين شيكل.

تتكرّر هذه الهجمات بوتيرة متصاعدة، ما يشير إلى أن الأمر لم يعد مجرد أعمال عنف فردية، بل باتت سياسة منهجية لإرهاب الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل.

إرهاب المستوطنين وتحريض الحكومة

ليست قرية دوما وحدها التي تدفع ثمن عربدة المستوطنين، بل هي نموذج لواقع شامل تعيشه الضفة الغربية، حيث تنتشر ميليشيات المستوطنين المدججين بالسلاح والمدعومين سياسيًا وعسكريًا.

حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، التي تضم شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، لا تكتفي بغض الطرف عن هذه الجرائم، بل تحرض عليها علنًا. 

تصريحات بن غفير الأخيرة التي يطالب فيها بـ”تطهير” الضفة من الفلسطينيين، وتفاخر سموتريتش بارتفاع عدد البيوت الفلسطينية المُهدّمة في 2024، تكشف عن سياسات إسرائيلية تهدف إلى تفريغ الأرض من أهلها لصالح المشروع الاستيطاني.

المفارقة أن هذه الجرائم تتم تحت سمع وبصر المجتمع الدولي، دون ردع فعلي أو عقوبات حقيقية، رغم وضوح انتهاكها للقانون الدولي وميثاق جنيف الرابع. 

تسليح المستوطنين، وتوفير الغطاء العسكري لهم أثناء تنفيذ الاعتداءات، وتحويل الأراضي المصادرة إلى بؤر استيطانية جديدة، كلها عناصر تؤكد أن الدولة العبرية تمارس فصلاً عنصريًا ممنهجًا وتطهيرًا عرقيًا متسارعًا.

الخوف الدائم وصمت العالم

في ظل هذه الانتهاكات، يعيش سكان قرية دوما – البالغ عددهم نحو 3700 نسمة – حالة دائمة من القلق والخوف، حيث باتوا عرضة لهجمات ليلية مفاجئة، وتخريب للممتلكات، وحصار غير معلن عبر الحواجز العسكرية.

رئيس البلدية سليمان دوابشة عبّر عن هذه الحالة حين دعا المؤسسات الدولية ووسائل الإعلام إلى تسليط الضوء على الجرائم الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن المجتمع المحلي يشعر بالعزلة والتخلي من قبل العالم.

الاحتلال لا يكتفي بالقتل والاعتداء، بل يمنع ترميم المنازل المهدّمة، ويصادر الأراضي الزراعية، ويقيد حركة الفلسطينيين، ويمارس حربًا شاملة تستهدف الهوية والوجود الفلسطيني. 

ومع كل ذلك، يظل الإعلام الدولي منشغلاً بما تسوّقه الدعاية الإسرائيلية من روايات أمنية، بينما يُغفل أن من يحتاج إلى الحماية فعليًا هم المدنيون الفلسطينيون الذين يتعرضون للإرهاب يوميًا.

خاتمة:

ما جرى في دوما ليس مجرد هجوم من متطرفين، بل هو تعبير فاضح عن نظام استعماري عنصري متكامل.

جيش الاحتلال لم يعد يحمي المستوطنين فقط، بل صار شريكًا مباشرًا في تنفيذ الاعتداءات، بينما توفر الحكومة الحماية القانونية والسياسية للجناة. 

استمرار هذه الجرائم بلا محاسبة يشكل وصمة عار في جبين الإنسانية، ويستدعي تحركًا عاجلاً لوقف إرهاب المستوطنين وسياسات الاحتلال، قبل أن تتحول الضفة الغربية إلى ساحة تطهير عرقي مكتملة الأركان.

اقرأ أيضًا : اليونيسف تكشف أرقامًا صادمة عن ضحايا الأطفال في غزة: إنذار أممي بكارثة إنسانية غير مسبوقة