في سابقة قانونية لافتة، منحت المحكمة العليا في لندن، اليوم الاثنين، تعويضات تتجاوز ثلاثة ملايين جنيه إسترليني (نحو 4.1 مليون دولار) للمعارض السعودي الشهير غانم المصارير الدوسري، بعد ثبوت اختراق هاتفه ببرنامج التجسس «بيغاسوس» واستهدافه بالاعتداء في شوارع العاصمة البريطانية. الحكم لا يكتفي بالتعويض المالي، بل يضع إطارًا قضائيًا واضحًا لمسؤولية دولة عن عمليات تجسس عابرة للحدود ضد معارض يعيش في المنفى، بما يحمل دلالات سياسية وقانونية ثقيلة على سجل حقوق الإنسان في السعودية خلال عهد محمد بن سلمان.

من يوتيوب إلى قاعة المحكمة: مسار القضية
الدوسري، المعروف بمحتواه النقدي الحاد للنظام السعودي عبر قنواته على يوتيوب، رفع دعوى قضائية في عام 2019 بعد اكتشاف اختراق هاتفه المحمول في يونيو/حزيران 2018 باستخدام برنامج «بيغاسوس»، الذي يُباع حصريًا للحكومات. وأوضح محاموه أن الاختراق سبق اعتداءً جسديًا تعرض له في لندن في أغسطس/آب 2018، حين أوقفه رجلان وسألاه عن سبب انتقاده لأسرة آل سعود الحاكمة. هذه الوقائع، بحسب المحكمة، تشكل سلسلة مترابطة من الاستهداف الممنهج لإسكاته.
رفض الحصانة السيادية… نقطة التحول
حاولت السعودية تعطيل الدعوى بحجة «حصانة الدولة»، غير أن المحكمة العليا رفضت هذا الدفع في عام 2022، معتبرة أن طبيعة الأفعال المنسوبة—التجسس والاعتداء—لا تندرج ضمن الأعمال السيادية المحمية. وعندما فشلت المملكة في استئناف القرار، امتنعت عن المشاركة في الإجراءات القضائية، ما دفع القاضي إلى إصدار حكمه دون محاكمة كاملة، معتبرًا أن هذا الغياب «قرار مدروس بتجاهل الإجراءات».
حيثيات الحكم: أدلة على الاختراق والمسؤولية
في حيثياته، قال القاضي بوشبندر سايني إن هناك «أساسًا مقنعًا» للاستنتاج بأن أجهزة آيفون الخاصة بالدوسري تعرضت للاختراق ببرنامج «بيغاسوس»، وأن ذلك جرى بتوجيه من السعودية أو عبر عملاء تصرفوا نيابة عنها. كما رجّح مسؤولية المملكة عن الاعتداء الجسدي، مشيرًا إلى «الاهتمام الواضح والدوافع» لإيقاف الدوسري عن انتقاد الحكومة علنًا. هذه اللغة القضائية الصريحة تُعد إدانة غير مباشرة لنهج التجسس السياسي الذي طبع المرحلة الأخيرة من حكم بن سلمان.
التعويضات: خسائر مهنية ونفسية
قضت المحكمة بتعويض يتجاوز ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، منها قرابة 2.6 مليون جنيه لتغطية خسائر الأرباح المرتبطة بتوقف نشاط الدوسري على يوتيوب. وأكد الدوسري، البالغ من العمر 45 عامًا والمقيم في بريطانيا منذ 2003 والحاصل على حق اللجوء، أن اكتشاف الاختراق أصابه باكتئاب شديد وأنهى فعليًا مسيرته المربحة في إنتاج المحتوى. الحكم يعترف، بذلك، بالأثر الاقتصادي والنفسي العميق لعمليات التجسس على حياة المعارضين.
ما وراء القضية: نمط أوسع من القمع العابر للحدود
لا تقف دلالات الحكم عند حدود تعويض فردي، بل تكشف نمطًا أوسع من ملاحقة المعارضين خارج البلاد باستخدام أدوات رقمية متطورة. فـ«بيغاسوس» ارتبط، في تقارير حقوقية دولية، باستهداف صحفيين ونشطاء ومعارضين في دول عدة. وإذ يربط الحكم بين الاختراق والاعتداء الجسدي، فإنه يعيد طرح سؤال المساءلة عن استخدام التكنولوجيا الأمنية لقمع الأصوات المعارضة بدل حماية الأمن العام.
صمت رسمي وتداعيات سياسية
حتى لحظة صدور الحكم، لم تصدر السفارة السعودية في لندن تعليقًا. هذا الصمت، في نظر مراقبين، يعكس حرجًا سياسيًا في مواجهة حكم قضائي من أعلى محكمة بريطانية يُحمّل المملكة مسؤولية أفعال غير مشروعة على أراضي دولة أخرى. كما يفتح الباب أمام دعاوى مشابهة قد يرفعها معارضون آخرون، ويضع ضغوطًا إضافية على حلفاء الرياض الغربيين لإعادة تقييم علاقاتهم الأمنية والتقنية معها.
خلاصة
يمثل حكم المحكمة العليا في لندن محطة فارقة في مواجهة التجسس السياسي العابر للحدود، ويُعيد تسليط الضوء على سياسات محمد بن سلمان في التعامل مع المعارضة. فالتعويض المالي الكبير ليس سوى وجه واحد للقضية؛ أما الوجه الآخر فهو تثبيت قضائي لمسؤولية دولة عن انتهاك خصوصية وأمن معارض في المنفى. وبينما يواصل الدوسري معركته لاستعادة حياته المهنية، يبقى الحكم رسالة واضحة: الملاحقة الرقمية والاعتداءات الجسدية لن تمر دون حساب، حتى لو حاولت الدول الاحتماء بذرائع السيادة.
اقرأ أيضًا : حقوقيون تونسيون: منع زيارة السجون إنذار بانفلات انتهاكات قيس سعيد