تكشف صحيفة معاريف العبرية في تقرير جديد ملامح ما تقول إنه “اقتراب المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة”، مع الإشارة إلى تغييرات ميدانية يقوم بها الجيش الإسرائيلي، أبرزها استبدال “الخط الأصفر” الفاصل الحالي بما تسميه المؤسسة العسكرية “مناطق خضراء” في رفح، تمهيدًا لإقامة أحياء سكنية مؤقتة لسكان القطاع الذين هجّرتهم العمليات العسكرية.

لكن خلف هذه اللغة التقنية، يبرز تعنّت واضح من قبل الاحتلال في الملفات الجوهرية، ما يجعل المرحلة الثانية من الاتفاق معلّقة على شروط يصعّب تحقيقها، ويُبقي الواقع الميداني في غزة مفتوحًا على احتمالات تصعيد مستقبلي.

مناطق خضراء بدل الخط الأصفر.. هندسة جديدة للسيطرة

تقول معاريف إن الجيش الإسرائيلي حدد للأمريكيين “مناطق خضراء” داخل نطاق الخط الأصفر في رفح، بهدف تحويلها إلى مناطق صالحة لإنشاء بنية تحتية أولية لاستيعاب كرفانات سكنية ومدارس وعيادات ورياض أطفال.

هذه الهندسة الجديدة، وفق الصحيفة، تعكس تصورًا إسرائيليًا بأن إدارة السكان المدنيين في الجنوب يجب أن تتم وفق ترتيبات أمنية صارمة، قائمة على الفحص والتدقيق الأمني لكل أسرة قبل السماح لها بدخول هذه المناطق.

وبحسب التقرير، فإن الأسر التي يُسمح لها بالإقامة هناك ستكون تلك التي “لا تحمل سلاحًا ولا ترتبط بحماس”، في خطوة تندرج ضمن سياسة الفرز الأمني التي تحاول إسرائيل تكريسها كشرط لأي ترتيبات إنسانية مستقبلية.

ورغم أن واشنطن هي صاحبة الفكرة من حيث المبدأ، إلا أن معاريف تؤكد أن إسرائيل مَن يدير تفاصيلها الأمنية وتشترط التحكم الكامل في دخول السكان وخروجهم.

تعليق المرحلة الثانية على ملف جثة الضابط ران جويلي

من بين أبرز الشروط التي تكشفها الصحيفة، إصرار إسرائيل على عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق دون استعادة جثة اللواء ران جويلي، التي تقول إن البحث عنها سيُستأنف في منطقة الزيتون جنوب غزة.

هذا التعليق يعزز الانطباع بأن الاحتلال يحاول ربط التقدم السياسي والإنساني بقضايا رمزية داخلية، على الرغم من أن الملفات الإنسانية – مثل عودة المهجرين وفتح المجال لإعادة الإعمار – لا يجب أن تكون رهينة لشرط من هذا النوع.

وتنقل الصحيفة عن مصدر عسكري قوله إن حماس “تواصل عملياتها وتسعى لتعزيز قوتها العسكرية”، وإن عناصرها يحاولون أحيانًا الاقتراب من الخط الأصفر لجمع المعلومات الاستخباراتية حول انتشار الجيش ويقظته.

لكن هذه السردية تُستخدم إسرائيليًا لتبرير استمرار السيطرة على الخط الفاصل، ومنع أي انتقال فعلي نحو مرحلة تهدئة طويلة الأمد.

القوة متعددة الجنسيات.. تعنت إسرائيلي واضح

واحدة من أكثر النقاط حساسية في التقرير هي حديث معاريف عن رؤية المؤسسة الأمنية لدور القوة متعددة الجنسيات المفترض نشرها في غزة بعد وقف إطلاق النار.

فبينما تتجه الخطة الأمريكية إلى نشر قوة مراقبة محدودة، تعلن إسرائيل صراحة أنها لن تقبل بتكرار “خطأ اليونيفيل” في لبنان، أي قوة ذات صلاحيات ضعيفة لا تملك قدرة تنفيذية.

وتقول الصحيفة إن إسرائيل ستصرّ على أن تعمل القوة بموجب المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، أي بسلطة استخدام القوة لأغراض التنفيذ ونزع السلاح، وليس مجرد دفاع ذاتي.

هذا الشرط يعكس تعنّتًا سياسيًا وأمنيًا صريحًا، إذ تدرك تل أبيب مسبقًا أن قبول المجتمع الدولي بقوة تنفيذية واسعة الصلاحيات داخل غزة أمر غير مرجّح، خاصة إذا كان الهدف المعلن هو “نزع سلاح حماس”، ما يعني عمليًا تحويل القوة الدولية إلى طرف مقاتل بالنيابة عن الاحتلال.

“الخط الأصفر” يتحول إلى حدود دائمة

تضيف معاريف أن تصريحات رئيس الأركان بشأن اعتبار الخط الأصفر “حدودًا جديدة” ليست مجرد توصيف مؤقت، بل محاولة لترسيخ هذا الخط كواقع دائم قد يمتد لسنوات.

ووفق مصدر عسكري، فإن الجيش سيبقى متمركزًا في المنطقة الواقعة على طول الخط، حتى بعد بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، مع استمرار السيطرة على المراقبة وإطلاق النار داخل القطاع.

هذا التصريح يتجاوز الجانب العسكري ليشير بوضوح إلى نية إسرائيل الإبقاء على سيطرة أمنية مباشرة داخل غزة حتى لو خرجت قواتها من داخل المدن، وهو ما يُعتبر صيغة جديدة من الاحتلال غير المباشر، أو “احتلال عبر خطوط النار”.

“نجاح كبير” من منظور الاحتلال.. وفشل سياسي وإنساني

يختتم التقرير بنقل تصريحات من مسؤول عسكري يرى أن الجيش “حقق نجاحًا كبيرًا” لأنه بات قادرًا – حسب قوله – على السيطرة على المراقبة وإطلاق النار داخل غزة دون الحاجة للسيطرة على السكان أو تزويدهم بالغذاء والماء والدواء.

هذه النظرة تكشف بوضوح الفلسفة الأمنية المتصلبة التي تحكم قرارات إسرائيل في غزة:

سيطرة عسكرية مستمرة دون مسؤوليات إنسانية، وفصلٌ بين السيطرة على الأرض ورعاية السكان، في تناقض مباشر مع القانون الدولي.

خلاصة: تعنّت يعطّل كل شيء

يُظهر تقرير معاريف أن اقتراب المرحلة الثانية من الاتفاق لا يعني تقدمًا فعليًا، لأن الاحتلال:

  • يربط التقدم بقضية جثة ضابط واحد.

  • يرفض أي قوة دولية ذات صلاحيات محدودة.

  • يسعى لترسيخ الخط الأصفر كحدود دائمة.

  • يطلب ترشيح سكان القطاع بناءً على تدقيق أمني مشدد.

بذلك يتحول “الاقتراب من المرحلة الثانية” إلى فقاعة سياسية، فيما يواصل الاحتلال وضع شروط تعجيزية تعرقل تنفيذ أي اتفاق حقيقي، وتبقي غزة في دائرة التوتر المستمر.

اقرأ أيضًا : حماس تشترط وقف انتهاكات الاحتلال للهدنة قبل بدء المرحلة الثانية… معركة الشروط ومعركة الميدان