حذّرت منظمات حقوقية دولية من موجة إعدامات قياسية تجتاح السعودية منذ بداية عام 2025، في ظل تصاعد القمع السياسي وتصفية المعارضين تحت غطاء القضاء. ووفق بيانات منظمة “ريبريف” الدولية، نفذت السلطات حتى 5 أغسطس/آب الجاري 241 عملية إعدام، من بينها 22 إعداما خلال أسبوع واحد فقط، وهو معدل غير مسبوق يهدد بكسر جميع الأرقام القياسية إذا استمر حتى نهاية العام.
“هيومن رايتس ووتش” و”مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط” أصدرا بيانات شديدة اللهجة، محذّرين من أن ولي العهد محمد بن سلمان يستخدم القضاء كسلاح سياسي لإسكات الأصوات المعارضة، في ما وصفته المنظمات بـ”الإعدام الممنهج” و”القتل برعاية الدولة”.
الباحثة جوي شيا من “هيومن رايتس ووتش” أكدت أن “السلطات السعودية نفذت عددا مرعبا من الإعدامات هذا العام، في أحدث تجليات الحكم الاستبدادي الوحشي لمحمد بن سلمان”، مشيرة إلى أن غياب الشفافية يجعل من الصعب تحديد الأعداد الحقيقية أو ظروف المحاكمات.

الجاسر.. من فضح الفساد إلى مقصلة الإعدام
القضية الأبرز في موجة الإعدامات الأخيرة كانت إعدام الصحفي البارز تركي الجاسر في 14 يونيو/حزيران، بتهم “إرهابية” اعتبرتها المنظمات الحقوقية ملفقة وتفتقر لأي أدلة علنية.
الجاسر كان معروفا بإدارته لحساب “كشكول” على منصة “إكس” (تويتر سابقا) الذي كشف ملفات فساد وانتهاكات حقوقية داخل العائلة المالكة وأجهزة الأمن. اعتُقل عام 2018 في حملة أمنية موسعة، وجرى احتجازه في سجن الحائر سيئ السمعة، حيث تعرض للتعذيب الممنهج، وحُرم من محاكمة علنية أو حضور محامٍ أو تواصل مع أسرته.
وفق شهادات عائلته، لم يتم إبلاغهم بالحكم أو موعد الإعدام، ولم تسلم السلطات جثمانه حتى اللحظة، في أسلوب متكرر لإرهاب أسر الضحايا ومنعهم من إقامة جنازات علنية قد تتحول لاحتجاجات سياسية.
توقيت مدروس وسط صخب إقليمي
نشطاء ومعارضون يرون أن اختيار توقيت إعدام الجاسر لم يكن عشوائيا، إذ جاء بعد يوم واحد من هجوم إسرائيلي على مواقع إيرانية حساسة، في لحظة كان الإعلام الدولي منشغلا بالتطورات العسكرية، وهو ما وفر غطاءً مثاليا للرياض لتنفيذ حكم الموت بعيدا عن الأضواء.
هذا النمط من استغلال الأحداث الإقليمية الكبرى لإخفاء الانتهاكات الداخلية بات سياسة معتادة في عهد محمد بن سلمان، حيث تُستغل الكوارث أو التصعيد العسكري لتصفية الخصوم السياسيين.
سلسلة إعدامات لمعارضين ومفكرين
لم يكن الجاسر الوحيد في قائمة المستهدفين. ففي فبراير/شباط 2024 أعدمت السلطات المحلل السياسي عبد الله الشمري، بينما يواجه دعاة ومفكرون بارزون مثل الشيخ سلمان العودة والمفكر حسن فرحان المالكي خطر الإعدام، على خلفية مواقف سياسية ودينية سلمية لا تتضمن أي تحريض على العنف.
التقارير الحقوقية تشير أيضا إلى أن أكثر من نصف الإعدامات المنفذة هذا العام طالت أجانب، بينهم عمال مهاجرون، وأن 162 من المعدومين أُدينوا في قضايا مخدرات لا تتضمن القتل، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية التي تحصر الإعدام في “أخطر الجرائم” كالقتل العمد.
قتل بلا رحمة في عهد بن سلمان
المنظمات الحقوقية تصف ما يجري بأنه “قتل بلا رحمة” و”إعدامات تعسفية” تتم خلف الأبواب المغلقة، حيث يُساق الضحايا إلى الموت بعد محاكمات صورية تفتقر لأدنى معايير العدالة.
ويؤكد النشطاء أن محمد بن سلمان، الذي يسوّق نفسه للعالم كـ”مصلح”، في الواقع يقود واحدة من أشرس حملات القمع في تاريخ المملكة الحديث، ويستخدم الإعدام ليس فقط كعقوبة قانونية، بل كسلاح سياسي لإرهاب المجتمع وإسكات أي صوت معارض.
ورغم الانتقادات الدولية، فإن الدعم السياسي والاقتصادي الغربي للنظام السعودي، خاصة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، يشجع الرياض على المضي قدما في هذه السياسات دون خوف من المحاسبة.
مطالبات دولية بالوقف الفوري
“هيومن رايتس ووتش” و”مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط” جددتا دعوتهما إلى الوقف الفوري للإعدامات التعسفية، وإلى فتح سجون المملكة أمام المراقبين الدوليين، والكشف عن مصير المعتقلين السياسيين والصحفيين.
كما شددتا على ضرورة ربط أي تعاون دولي مع السعودية بتحسين سجلها الحقوقي، ووقف ما وصفته بـ”التلاعب بالقضاء لإضفاء الشرعية على القتل”.
لكن المراقبين يرون أن غياب ضغط دولي حقيقي، واستمرار المصالح الاقتصادية والعسكرية المشتركة مع الرياض، يجعل احتمالات التغيير ضعيفة، ويترك حياة المئات من المعتقلين السياسيين على المحك.
خاتمة
في ظل استمرار هذه الوتيرة، تبدو السعودية في طريقها إلى تسجيل عام دموي غير مسبوق في تاريخها الحديث، حيث تتحول المقصلة إلى أداة حكم يومية بيد محمد بن سلمان، وتصبح حياة المعارضين والصحفيين والمفكرين رهن إشارة من النظام، بينما يقف المجتمع الدولي عاجزا أو متواطئا، مكتفيا بالتصريحات الباردة أمام ما يوصف بأنه إرهاب دولة منظم.
اقرأ أيضًا : بن سلمان والتطبيع المؤجل.. كيف أعادت حرب غزة ترتيب أولويات السعودية؟