في شهر يفترض أن تمتلئ لياليه بالدفء العائلي وروح التكافل، وأن تتزين موائده بما لذّ وطاب من طعام، يدخل أهالي قطاع غزة رمضان هذا العام بقلوب مثقلة وموائد شحيحة بالكاد تسدّ الرمق. لم يعد صوت المدفع إيذانًا بالإفطار وحده ما ينتظره الغزيون، بل باتت لحظة الأذان تستحضر أسماء الغائبين الذين غيّبتهم حرب الإبادة الإسرائيلية، وتركوا أماكن فارغة على موائد أنهكها الفقر وكسرها الفقدان.
في خيمة مهترئة بدير البلح، جلس أحمد فريد مع أطفاله الثلاثة وأخته حول طبقين من الفول وقليل من “الدقة” وبعض أرغفة الخبز. مائدة متواضعة لا تشبه موائد رمضان التي عرفها قبل الحرب، لكنها أقصى ما تسمح به الظروف. الغصة التي تخنقه لا تتعلق فقط بضيق الحال، بل بغياب زوجته التي استشهدت في قصف استهدف منزل عائلته في مخيم جباليا في بدايات العدوان. يقول إن الإفطار بات لحظة ثقيلة؛ فالمكان الذي كانت تجلس فيه زوجته يظل فارغًا، وكأن الصمت نفسه يشاركهم الطعام.
رمضان في غزة لم يعد موسمًا للاجتماع، بل مناسبة لنكء الجراح. كل أسرة تقريبًا فقدت شهيدًا أو أكثر، وكل بيت تحوّل إلى قصة حزن معلقة بين السماء والأرض. ومع ذلك، يحاول الآباء والأمهات إخفاء ألمهم أمام الأطفال، فيبتسمون رغم الانكسار، ويصنعون من القليل طقسًا رمضانيًا متماسكًا يحمي الصغار من قسوة المشهد.

اقتصاد تحت الأنقاض.. احتلال يدمّر الحياة ويفرض الجوع
بعد أكثر من عامين من حرب الإبادة، لا تزال آثار الدمار تطغى على كل زاوية في القطاع. بنية تحتية شبه منهارة، منشآت صناعية وتجارية سويت بالأرض، وشبكات مياه وكهرباء معطلة. ورغم سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لم يتعافَ الاقتصاد، بل دخل في مرحلة أكثر قسوة عنوانها الانهيار شبه الكامل لسوق العمل.
المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر يصف المشهد بأنه “ركود تضخمي خانق”، حيث لا دخل للأسر تقريبًا، في مقابل أسعار مرتفعة لسلع محدودة متوفرة أصلًا بكميات قليلة. البطالة تقترب من 80%، فيما يعتمد نحو 95% من السكان على المساعدات الإنسانية. أرقام تعكس حجم الكارثة، لكنها لا تختصر المأساة اليومية لعائلة تبحث عن وجبة إفطار تسدّ جوع أطفالها.
في سوق مخيم الشاطئ، يقف التاجر ياسر حسين أمام بضاعته المتكدسة دون مشترين. الزبائن يمرون، يسألون عن الأسعار، ثم يغادرون بصمت. يقول إن الناس باتوا يأتون بدافع الأمل أكثر من القدرة، يسألون لعل الأسعار انخفضت فجأة، أو لعل معجزة ما حدثت. لكن الواقع أقسى؛ الجيوب فارغة، والحاجة أكبر من الإمكانات.
لقد تعمد الاحتلال خلال حربه استهداف مقومات الحياة، من مصانع ومخابز وأسواق، في سياسة واضحة لكسر الإرادة الجماعية عبر التجويع والإفقار. لم تكن الغارات عسكرية الطابع فحسب، بل طالت الاقتصاد نفسه، لتخلق مجتمعًا يعيش على حافة العوز الدائم. وبينما تروّج إسرائيل لروايتها الأمنية، يكشف الواقع في غزة عن استراتيجية عقاب جماعي جعلت من رمضان موسمًا للجوع بدل أن يكون موسمًا للبركة.
بين الخيام والأنقاض.. صمود يتحدى آلة الإبادة
يعيش نحو 1.9 مليون نازح من أصل 2.4 مليون فلسطيني في ظروف بالغة القسوة داخل خيام تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. موجات نزوح متكررة، أوامر إخلاء قسري، وقصف طال الأحياء السكنية والمدارس ومراكز الإيواء. في هذا السياق، يصبح إعداد مائدة إفطار ولو بسيطة فعل مقاومة يومي، وإصرارًا على البقاء.
ورغم كل شيء، لم تنطفئ روح التكافل. تنتشر التكايا والمبادرات المجتمعية التي تقدم وجبات إفطار بسيطة، وتتكاتف العائلات لتقاسم ما يتوفر لديها. في كثير من المناطق، يجلس الجيران معًا حول قدور صغيرة، يتبادلون الطعام كما يتبادلون الحكايات والدموع. هذا التضامن الشعبي هو ما يحفظ للمجتمع تماسكه في وجه الانهيار.
الجريمة الإسرائيلية لم تقتصر على القتل والدمار، بل امتدت إلى محاولة تفكيك البنية الاجتماعية والنفسية للفلسطينيين. غير أن ما يحدث على الأرض يكشف عن معادلة مختلفة: كلما اشتدت آلة الإبادة، ازداد التمسك بالحياة. فالأطفال الذين يصومون لأول مرة رغم الخيمة والبرد، والنساء اللواتي يعلّقن زينة رمضانية على أقمشة مهترئة، والرجال الذين يقفون في طوابير المساعدات بكرامة صامتة، جميعهم يجسدون صمودًا يتجاوز الحسابات العسكرية.
رمضان هذا العام في غزة ليس كما قبله؛ هو شهر تختلط فيه رائحة الطعام الشحيح برائحة الركام، وتتجاور فيه الدعوات الصادقة مع صور الشهداء المعلقة في الخيام. لكنه أيضًا شهر يثبت فيه الفلسطينيون أن الجوع لا يكسر إرادتهم، وأن الفقدان لا ينتزع منهم حقهم في الحياة.
في كل مائدة بسيطة، وفي كل دعاء يرتفع مع أذان المغرب، رسالة واضحة: الاحتلال قد يدمر الحجر، لكنه يعجز عن اقتلاع جذور شعب تشبث بأرضه رغم كل أشكال الإبادة. هكذا يستقبل الغزيون رمضان؛ بموائد حزينة وقلوب مثقلة، لكن بإيمان راسخ أن الفجر، مهما طال الليل، لا بد آتٍ.
اقرأ أيضًا : تصعيد ميداني واسع في الضفة الغربية يكشف شراكة الاحتلال والمستوطنين في فرض الوقائع