في تطور أثار جدلاً سياسياً واسعاً داخل الأردن، قرر مدعي عام عمّان إخلاء سبيل النائب وسام الربيحات وعدد من أبناء حي الطفايلة شرقي العاصمة، بعد استدعائهم للتحقيق على خلفية اتهامات بتلقي أموال وحوالات مالية بطرق مخالفة للقانون.

القضية، التي انفجرت في سياق حساس داخلياً وإقليمياً، تتعلق بمسألة جمع التبرعات الشعبية لأهالي قطاع غزة المحاصر، ما جعلها تتجاوز الطابع القانوني لتتحول إلى ساحة مواجهة بين السلطة، والشارع، والمعارضة الإسلامية.

خلفية القضية: الطفايلة وغزة في قلب الحدث

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، تحولت أحياء شعبية في الأردن – وعلى رأسها حي الطفايلة – إلى مراكز نشطة للتضامن مع الفلسطينيين. الأهالي هناك نظموا حملات واسعة لجمع التبرعات، بعضها لشراء الأضاحي وتوزيعها في غزة، وبعضها لدعم المتضررين من القصف والحصار.

هذه المبادرات الشعبية، التي لاقت صدى واسعاً، أثارت حفيظة الأجهزة الرسمية التي سارعت إلى وضعها تحت المجهر القانوني والإعلامي. وعليه، تم استدعاء النائب وسام الربيحات، ممثل حزب جبهة العمل الإسلامي (أكبر كتلة معارضة في البرلمان)، إلى جانب عدد من أبناء الحي، بدعوى أنهم تلقوا أموالاً وحوالات دون المرور بالقنوات الرسمية. لكن الرواية الرسمية سرعان ما تعثرت أمام الوثائق التي كشف عنها الربيحات، حيث أظهر في تسجيل مصور مستندات تثبت حصول الأهالي على تراخيص قانونية من وزارة التنمية الاجتماعية لجمع التبرعات.

رد الربيحات: الإعلام الرسمي متورط بالتحريض

في ظهوره المصوّر، بدا الربيحات مصمماً على قلب الطاولة على خصومه. فهو لم يكتفِ بتفنيد التهم الموجهة إليه، بل هاجم وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية التي تبنت خطاب التشويه بحقه، واتهمها بـ”شيطنته” وأبناء حيّه عبر أخبار مضللة.

وأكد النائب أنه سيقاضي هذه الوسائل إعلامياً وقضائياً، مشدداً أن ما جرى ليس مجرد سوء فهم، بل “حملة منظمة لتجريم التضامن مع غزة”، حسب تعبيره. المحامي بسام فريحات، المترافع عنه وعن أبناء الحي، أوضح أن النائب يتمتع بحصانة قانونية، وأن مجرد استدعائه يمثل سابقة غير مقبولة. كما اتهم الإعلام الرسمي بمخالفة القوانين عبر نشر تفاصيل قضية ما زالت منظورة أمام النيابة.

هذا الموقف يعكس عمق الأزمة بين المعارضة الإسلامية في الأردن والمؤسسات الرسمية، حيث ينظر الإسلاميون إلى القضية باعتبارها جزءاً من سياسة أوسع لتضييق الخناق على أي مبادرة تضامن شعبي مع فلسطين خارج إطار السيطرة الرسمية.

البعد السياسي: خيانة ملك الأردن في مرمى النيران

الأكثر إثارة في تصريحات الربيحات لم يكن دفاعه عن قانونية التبرعات فقط، بل رسالته الضمنية التي وجهها ضد رأس الدولة. فبينما يسعى النظام الأردني، بقيادة الملك عبد الله الثاني، إلى الحفاظ على موقعه كوسيط “متوازن” بين الفلسطينيين والإسرائيليين أمام المجتمع الدولي، يرى جزء كبير من الشارع الأردني أن موقف الملك بات أقرب إلى “التواطؤ” أو “الخيانة”.

الربيحات، بصفته نائباً عن جبهة العمل الإسلامي، حمل في خطابه هذه الاتهامات الضمنية، حين ربط بين محاولات تجريم حملات دعم غزة، وبين سياسات النظام القائمة على التطبيع الأمني والاقتصادي مع الاحتلال، وصمته عن جرائم الإبادة في القطاع. هذا الربط يعزز الانطباع بأن القضية ليست مجرد ملف قضائي بل رسالة سياسية: “من يدعم غزة يُلاحق، ومن يطبع مع الاحتلال يُكافأ”.

وبينما لم يذكر الربيحات اسم الملك صراحة في تصريحاته، فإن الخطاب الذي تبناه يتماهى مع خطاب المعارضة الإسلامية التي تعتبر أن “خيانة ملك الأردن لقضية فلسطين” لم تعد خافية على أحد، وأن النظام يستخدم الأجهزة الأمنية والإعلامية لإحكام قبضته ومنع أي بديل شعبي يهدد صورته أمام الخارج.

الطفايلة: رمز المقاومة الشعبية في الأردن

حي الطفايلة ليس مجرد تجمع سكني شعبي في شرق عمّان، بل تحول منذ سنوات إلى رمز للمعارضة الشعبية ضد سياسات الدولة. فمن هذا الحي خرجت احتجاجات عديدة ضد الغلاء والفساد، كما كان له حضور بارز في الفعاليات المؤيدة لفلسطين. ولذلك فإن استهداف حملاته لدعم غزة لم يُنظر إليه فقط كإجراء قانوني بل كخطوة سياسية تهدف إلى كسر إرادة مجتمع محلي بات مصدر إزعاج للنظام.

إصرار أبناء الحي على المضي قدماً في دعم غزة، رغم الاستدعاءات الأمنية والتشويه الإعلامي، يعكس تحدياً واضحاً للسلطة، ورسالة مفادها أن “القدس وغزة في وجدان الأردنيين فوق كل اعتبار”.

دلالات الحادثة: بين القانون والسياسة

القضية تكشف بوضوح التناقض بين خطاب الدولة الأردنية الرسمي، الذي يرفع شعار دعم فلسطين ورفض المجازر الإسرائيلية، وبين ممارساتها الداخلية التي تقيد حتى المبادرات الشعبية الخيرية. فبينما يطالب الملك المجتمع الدولي بحماية الفلسطينيين ووقف الحرب، يتم استدعاء نائب برلماني ومواطنين فقط لأنهم نظموا حملات تبرع علنية وموثقة.

هذا التناقض يعمق فجوة الثقة بين الشعب والنظام، ويضع المؤسسة الملكية في مواجهة مع قطاعات واسعة من الأردنيين الذين يعتبرون التضامن مع فلسطين واجباً دينياً وقومياً لا يجوز إخضاعه لحسابات سياسية أو أمنية.

الخلاصة: أزمة ثقة عميقة تتكشف

ما جرى مع النائب وسام الربيحات وأبناء حي الطفايلة ليس مجرد واقعة عابرة، بل حلقة في سلسلة صراع طويلة بين نظام يسعى إلى ضبط المجال العام ومنع أي خطاب بديل، ومعارضة شعبية ترى أن الملك قد خان قضية فلسطين عبر سياساته المتناقضة.

إخلاء سبيل الربيحات قد يخفف من حدة الأزمة مؤقتاً، لكنه لن يطويها. بل على العكس، فقد زادت هذه الحادثة من رمزية الطفايلة كمعقل للمقاومة الشعبية، ومن حضور الربيحات كصوت معارض يربط بين الداخل الأردني ومعركة غزة.

أما النظام، فقد وجد نفسه مكشوفاً: فبينما يرفع راية “الشرعية الدولية” في خطابه الخارجي، يظهر في الداخل وهو يلاحق من يجمع التبرعات لغزة. وهنا تكمن المفارقة الأكبر التي تلخص الأزمة الأردنية: الملكية التي تدّعي الدفاع عن فلسطين في الخارج، تخونها في الداخل.

اقرأ أيضًا : سيول جارفة في اليمن تكشف هشاشة البنية التحتية بعد نهب الإمارات لثرواته