في مشهد حاشد طغت عليه أعلام فلسطين وموريتانيا، خرج آلاف الموريتانيين، الثلاثاء، في مدينة نواذيبو شمال غربي البلاد، للتنديد بسياسات الاحتلال الإسرائيلي التي تحاصر وتجوع سكان غزة منذ أشهر، مطالبين بوقف فوري لحرب الإبادة ورفع الحصار، وموجهين انتقادات حادة لصمت الأنظمة العربية والدولية حيال الكارثة الإنسانية المستمرة.

نواذيبو تنتفض لغزة.. مشهد مهيب وهتافات ضد التجويع

شهدت ساحة “دار الشباب” وسط مدينة نواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا، احتشاد آلاف المواطنين الموريتانيين استجابة لدعوة “الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني”، في تظاهرة ضخمة أعادت التأكيد على الحضور الشعبي القوي للقضية الفلسطينية في الضمير الموريتاني.

المتظاهرون جاؤوا من مختلف أحياء المدينة، وساروا في شوارعها الرئيسية رافعين الأعلام الفلسطينية والموريتانية، ومرددين شعارات مثل: “لن نترك غزة وحدها”، و”تجويع غزة جريمة حرب”، و”الموت ولا المذلة”، في إدانة صريحة لحصار الاحتلال واستهدافه المتعمد للمدنيين الفلسطينيين، عبر سياسة التجويع الجماعي التي ترقى إلى جرائم حرب موثقة، وفق تقارير أممية.

وصرح محمد ولد الداه، أحد منظمي المسيرة، لوكالة الأناضول قائلاً: “خرجنا اليوم لنقول بصوت عالٍ إن صمت العالم جريمة.. وإن تجويع مليوني فلسطيني في غزة هو وصمة عار في جبين الإنسانية”، مشيراً إلى أن التظاهرة جاءت تأكيدًا على الموقف الشعبي الثابت في موريتانيا ضد الاحتلال ودعماً لغزة وأهلها الصامدين.

كما دعا ولد الداه الشعوب العربية والإسلامية إلى إطلاق تحركات مماثلة، وعدم انتظار المواقف الرسمية التي وصفها بـ”الباهتة والضعيفة”، مشدداً على ضرورة الضغط لوقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية فوراً إلى القطاع المحاصر.

حرب الإبادة في غزة.. جريمة مستمرة بصمت دولي

تأتي هذه التظاهرة ضمن موجة غضب شعبي متصاعدة في موريتانيا، على خلفية استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي أدى حتى اللحظة إلى استشهاد أكثر من 38 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب إصابة أكثر من 163 ألفًا، ووجود ما يزيد على 9 آلاف مفقود تحت الأنقاض، بحسب تقارير وزارة الصحة الفلسطينية.

لكن المجاعة باتت الوجه الأبشع لهذه الحرب، بعد أن حوّل الاحتلال الغذاء والدواء إلى أسلحة حرب، فحاصر القطاع وأغلق معابره، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى وفاة العشرات، بينهم أطفال ماتوا جوعًا في مستشفيات لا تحتوي حتى على حليب أو محاليل وريدية.

وقد وصفت الأمم المتحدة في تقارير متتالية الوضع في غزة بأنه “أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين”، مشيرة إلى أن 100% من سكان القطاع يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن المجاعة باتت تقرع أبواب كل بيت في غزة.

لكن رغم هذا الوضوح الكارثي، تواصل الحكومات الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تقديم الدعم العسكري والسياسي للاحتلال، فيما تلتزم الأنظمة العربية الرسمية الصمت أو تكتفي بإطلاق تصريحات خجولة، دون خطوات عملية لوقف النزيف.

موريتانيا.. حراك شعبي دائم ودعوات لتفعيل الدعم العملي

موريتانيا كانت دائمًا في طليعة الدول العربية التي تشهد حراكًا شعبيًا متواصلاً دعمًا للقضية الفلسطينية. فمنذ بدء العدوان على غزة، لم تتوقف الفعاليات التضامنية في العاصمة نواكشوط ومدن الداخل، وتنافس أبناء القبائل والجمعيات على جمع التبرعات وإرسالها إلى غزة، في تجلٍّ نادر لتكافل شعبي تجاوز الحواجز الجغرافية.

كما طالبت فعاليات مدنية في نواذيبو الحكومة الموريتانية باتخاذ موقف أكثر جرأة، عبر الضغط في المحافل الدولية لوقف الحرب، ودعت إلى تجميد العلاقات مع الدول الداعمة للاحتلال، مؤكدين أن “من لا يدين الجريمة، فهو شريك فيها”.

ويعكس هذا الزخم الشعبي المتواصل إدراكاً عميقاً لدى الشارع الموريتاني بأن ما يجري في غزة ليس مجرد حرب تقليدية، بل هو فصل من فصول الإبادة الجماعية التي تنفذها دولة احتلال بدعم دولي، عبر تجويع المدنيين، واستهداف الطواقم الطبية، وضرب البنى التحتية، وتدمير الأمل في الحياة.

وقد أكد المشاركون أن هذه التظاهرات ستتواصل في مختلف المدن الموريتانية حتى تحقيق مطالبهم، وعلى رأسها وقف الحرب فوراً، ورفع الحصار، ومحاسبة قادة الاحتلال على جرائمهم أمام محكمة الجنايات الدولية.

هل يسمع العالم صرخة نواذيبو؟

في وقت خفتت فيه أصوات الأنظمة وتورطت أخرى في التطبيع، يصر الشارع العربي على أن يبقى الصوت الحر المناصر للحق الفلسطيني. وصوت نواذيبو، الذي دوّى من شوارعها وساحاتها، لم يكن سوى صدىً لعذابات أطفال غزة وجوعهم.

فهل يسمع العالم هذه الصرخة؟

وهل يتحرك الضمير الإنساني قبل أن يُزهق المزيد من الأرواح البريئة؟

الكرة اليوم في ملعب الشعوب، لأن ما عادت الحكومات تُعوّل عليها، ولا المؤسسات الدولية تُراهن عليها.

اقرأ أيضًا : كمين عبسان.. سرايا القدس تباغت الاحتلال وتثبت هشاشته الميدانية