في مشهد يكشف عن عمق التمييز وازدواجية المعايير في تعامل الدولة المصرية مع مواطنيها في الخارج، يقبع عشرة من أبناء النوبة داخل السجون السعودية منذ أكثر من خمس سنوات، على خلفية اتهامات وُصفت بـ”الفضفاضة” و”المفبركة”، في وقت تحركت فيه السفارة المصرية في لندن بسرعة لنجدة شخصية مقربة من النظام متهمة بالاعتداء وحيازة سلاح أبيض. 

القضية لم تعد مجرد ملف حقوقي، بل تحولت إلى رمز لعلاقة مأزومة بين النظام المصري وأبناء النوبة الذين طالما عانوا من التهميش داخل الوطن، ليجدوا أنفسهم مضطهدين خارجه أيضًا.

 

بداية القصة.. من ندوة ثقافية إلى قاعات المحاكم

تعود جذور الأزمة إلى أكتوبر/تشرين الأول 2019، حين قررت الجمعية النوبية بالرياض تنظيم ندوة في ذكرى “نصر أكتوبر”، تضمنت صورًا لرموز نوبيين شاركوا في الحرب مثل المشير محمد حسين طنطاوي. النشاط الذي بدا وطنيًا وبعيدًا عن أي طابع سياسي، اعتبرته السلطات السعودية “تجمعًا غير مرخص”، لتبدأ حملة اعتقالات انتهت في يوليو/تموز 2020 باعتقال عشرة من أبناء النوبة.
ظل المعتقلون في طي المجهول لشهرين كاملين قبل أن يسمح لهم بالتواصل الهاتفي مع عائلاتهم من داخل سجن الحائر، ثم جرى التنقل بهم بين عدة سجون. وبعد محاكمة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، صدرت بحقهم أحكام قاسية: 18 عامًا بحق محمد فتح الله شاطر، 16 عامًا لفرج الله أحمد يوسف، و14 عامًا لكل من هاشم شاطر وعادل سيد إبراهيم، فيما تراوحت أحكام البقية بين 10 و12 عامًا.

الاتهامات “المعلبة”.. وتواطؤ مصري صريح

السلطات السعودية وجهت لهم تهمًا مثل “إنشاء جمعية غير مرخصة”، “تأييد جماعة الإخوان”، “نشر شائعات على فيسبوك”، وهي اتهامات تتكرر في القاموس الأمني السعودي لتجريم أي نشاط مدني. منظمات حقوقية وصفت القضية بأنها “محاكمة استثنائية” تفتقر لأدنى معايير العدالة.
لكن الصدمة الكبرى لم تكن في الموقف السعودي وحده، بل في صمت الدولة المصرية. أسر المعتقلين أكدوا أنهم لم يتلقوا أي دعم قانوني أو حتى مساعدة رمزية من السفارة المصرية بالرياض أو من وزارة الخارجية في القاهرة. أحد أقارب المعتقلين تساءل بمرارة: “هل السبب أنهم نوبيون؟”.

معاناة الأسر.. صمت السفارة

القصص الإنسانية للمعتقلين تزيد المشهد قتامة. وائل إسحاق، أحد المعتقلين، لم يتمكن من وداع والده الذي رحل وهو خلف القضبان، بينما لم يتواصل مع أسرته سوى عبر ثلاث مكالمات هاتفية متقطعة خلال خمس سنوات. أسر أخرى وجدت نفسها بلا معيل، وبعض الأطفال كبروا ولم يروا آباءهم بعد.
وفي مواجهة محاولات توكيل محامين، اصطدمت العائلات بالرفض أو بالتكاليف الباهظة، إلى أن اضطرت المحكمة لانتداب محامين على نفقتها. كل ذلك جرى وسط صمت السفارة المصرية، التي اكتفت بترديد لازمة “القوانين السعودية لا تسمح بتأسيس جمعيات للجاليات الأجنبية”.

ازدواجية المعايير.. بين “ميدو” والنوبيين

المفارقة الأكثر استفزازًا ظهرت في التحرك السريع للسفارة المصرية في لندن للدفاع عن أحمد عبد القادر ميدو، رئيس اتحاد شباب مصر بالخارج، بعد اتهامه بحيازة سلاح أبيض ومحاولة اعتداء. السفارة كلّفت محامين وتدخلت بشكل عاجل حتى خرج من الأزمة.
أما النوبيون في السعودية، الذين لم يفعلوا سوى إحياء ذكرى وطنية، فقد تُركوا يواجهون مصيرهم وحدهم. الأمر يعكس بوضوح كيف يتعامل النظام مع المصريين في الخارج على أساس الولاء السياسي والقرابة بالنظام، لا على أساس المواطنة أو العدالة.

انتقادات حقوقية واسعة

ثماني منظمات حقوقية مصرية ودولية، بينها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، نددت بالأحكام الجائرة، ووصفتها بأنها “عقاب جماعي” لا يمت للقانون بصلة. كما انتقدت هذه المنظمات تخلي السفارة المصرية عن واجبها في حماية مواطنيها، معتبرة أن ما جرى يمثل خضوعًا كاملاً من النظام المصري لإملاءات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

قمع بن سلمان.. وذل السيسي

من زاوية أخرى، يرى ناشطون نوبيون أن ما حدث يكشف “قمع بن سلمان” الذي لم يعد يطيق أي مساحة للتعبير، حتى وإن كانت مجرد احتفالية ثقافية مرتبطة بتاريخ بلد آخر. وفي الوقت نفسه، يكشف عن “ذل السيسي” الذي يفضّل الانبطاح الكامل أمام الرياض على حساب مواطنيه، خصوصًا النوبيين الذين يعاملهم النظام في الداخل باعتبارهم “مشكوك في ولائهم”.
فقد حظر النظام احتفالاتهم في القاهرة والإسكندرية، وضيّق عليهم في أسوان، وها هو اليوم يتخلى عنهم في سجون السعودية. الأسوأ أن بعض الشهادات أشارت إلى أن السفارة المصرية بالرياض لعبت دورًا تحريضيًا ضد النشطاء النوبيين، لمجرد أنهم لم يرفعوا صورة عبد الفتاح السيسي في احتفالاتهم بذكرى أكتوبر.

خاتمة.. النوبيون بين سندان القمع ومطرقة التهميش

قضية النوبيين العشرة في سجون السعودية لم تعد مجرد ملف حقوقي، بل صارت قضية سياسية بامتياز تكشف عن طبيعة العلاقة بين نظام السيسي وأبناء النوبة. هم مواطنون “درجة ثانية” في نظر السلطة، داخل مصر وخارجها. يقمعهم محمد بن سلمان في السجون، ويتخلى عنهم السيسي في العلن، بينما تُهرع الدولة للدفاع عن شخصيات موالية متهمة بالبلطجة.
إن استمرار صمت الدولة المصرية إزاء هذه القضية لا يعكس فقط انعدام الإرادة السياسية في حماية النوبيين، بل يفضح أيضًا هشاشة مفهوم “المواطنة” تحت حكم السيسي، حيث يصبح الولاء للنظام هو المعيار الوحيد. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحرك الدولة المصرية أخيرًا لإنقاذ أبنائها من السجون السعودية، أم سيظل النوبيون أسرى التهميش والقمع داخل الوطن وخارجه؟

اقرأ أيضًا : موجة موت بطيء خلف القضبان.. هل تتحول السجون المصرية إلى مقابر جماعية؟