في تطور ميداني لافت يكشف عمق التحول في معادلات الردع الإقليمي، أعلنت جماعة “أنصار الله” الحوثية في اليمن، عن تنفيذ عملية عسكرية نوعية استهدفت مطار “بن غوريون” الدولي بالقرب من تل أبيب بصاروخين باليستيين، أحدهما فرط صوتي من طراز “فلسطين 2″، والآخر من طراز “ذو الفقار”، وسط فشل واضح لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية في اعتراض الصواريخ. 

وقد أدت العملية إلى تفعيل صافرات الإنذار في قلب الأراضي المحتلة وتعليق الملاحة الجوية بشكل مؤقت، في تطور قد يكون من أبرز الضربات الرمزية التي تلقاها الاحتلال الإسرائيلي منذ تصاعد العدوان على غزة.

هجوم غير مسبوق من الجبهة اليمنية

في بيان متلفز، أكد المتحدث العسكري باسم الحوثيين، العميد يحيى سريع، أن الصواريخ استهدفت مطار اللد (بن غوريون) وأصاب أحدها المطار “بشكل مباشر”، ما تسبب في حالة من الهلع دفعت ملايين المستوطنين إلى الهروب نحو الملاجئ، وأجبر السلطات الإسرائيلية على تعليق حركة الملاحة في المطار مؤقتاً.

الأهمية الرمزية للعملية لا تكمن فقط في الموقع المستهدف، بل في طبيعة الصواريخ المستخدمة؛ إذ يُعد استخدام صاروخ فرط صوتي من طراز “فلسطين 2” تحولًا نوعيًا في قدرات الحوثيين التقنية، ويطرح تساؤلات حول الجهات الداعمة لهذه القدرات المتقدمة. 

ويبدو أن الهدف الأساسي من الضربة هو إرسال رسالة مفادها أن موانئ ومطارات الاحتلال باتت جميعها ضمن بنك الأهداف الحوثي، خاصة بعد قصف الاحتلال ميناء الحديدة اليمني.

الرد على العدوان الإسرائيلي على الحديدة

الهجوم اليمني جاء كرد مباشر على الضربات التي شنها جيش الاحتلال صباح الثلاثاء على ميناء الحديدة على البحر الأحمر. 

وبحسب الناطق باسم جيش الاحتلال، أفيخاي أدرعي، فإن سلاح البحرية الإسرائيلي استخدم سفنًا صاروخية لقصف ما قال إنها “أهداف تابعة لنظام الحوثي”، مشيرًا إلى أن ذلك جاء “ردًا على الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقت باتجاه إسرائيل”.

غير أن التصعيد الإسرائيلي لم يردع الحوثيين، بل دفعهم إلى توسيع نطاق تهديداتهم؛ حيث أعلن سريع عن دخول “ميناء حيفا” ضمن بنك الأهداف القادمة، محذرًا جميع الشركات والجهات العاملة هناك من الاستمرار في نشاطها.

انهيار الثقة بمنظومة القبة الحديدية

الهجوم الحوثي الأخير يوجه ضربة جديدة إلى ما يسمى بـ”القبة الحديدية” الإسرائيلية، والتي فشلت بشكل ملحوظ في التصدي للصواريخ الباليستية. 

وعلى الرغم من إعلان جيش الاحتلال لاحقًا أنه “من المحتمل أنه تم اعتراض الصاروخ”، إلا أن التناقض بين بيانه وتصريحات الحوثيين، إلى جانب تأكيد شهود عيان رؤيتهم لشظايا صواريخ اعتراضية تسقط في أماكن متفرقة من محافظة الخليل، يعكس ارتباكًا واضحًا لدى الجانب الإسرائيلي.

وقد شوهدت الصواريخ الاعتراضية في سماء الخليل، وسقطت شظاياها في عدد من القرى المجاورة، ما أثار مخاوف واسعة بين المستوطنين، خاصة بعد سماع دوي صافرات الإنذار في بيت شيمش، عسقلان، القدس، وتل أبيب الكبرى، في مشهد يعكس حالة الذعر التي تسود الشارع الإسرائيلي.

دلالات استراتيجية وسياسية

الرسائل التي تحملها هذه الضربة الحوثية متعددة. فهي من جهة تؤكد على تماسك محور المقاومة واستعداده لتوسيع الجبهات، لا سيما في وقت يتصاعد فيه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية.

ومن جهة أخرى، فإن استهداف منشأة استراتيجية بهذا الحجم، في عمق الأراضي المحتلة، يحرج المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية التي لطالما تباهت بقدرتها على “الدفاع المتعدد الطبقات”.

كما أن الضربة تأتي في توقيت حساس تحاول فيه دولة الاحتلال استعادة ما فقدته من هيبة منذ هجمات 7 أكتوبر، وهي الآن تجد نفسها أمام تحديات جديدة من جبهات غير تقليدية، كاليمن، التي كانت سابقًا تُحسب خارج معادلة الاشتباك المباشر.

تعليق الملاحة: مؤشر على هشاشة الداخل الإسرائيلي

أبرز ما يكشفه الهجوم هو هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، إذ إن تعليق حركة الملاحة في مطار بن غوريون، حتى وإن كان مؤقتًا، يعكس مدى تأثير الضغط النفسي والعسكري الذي تتعرض له إسرائيل من محاور متعددة.

فالمطار، بوصفه شريانًا اقتصاديًا وأمنيًا، هو رمز لـ”الاستقرار” في الرواية الإسرائيلية، واستهدافه يعري هذا الزيف أمام الداخل والخارج.

والأهم من ذلك، أن دعوة الحوثيين المباشرة إلى شركات الطيران بوقف رحلاتها من وإلى إسرائيل تنذر بمرحلة ردع جديدة، يتم فيها استهداف المنشآت الحيوية والبنى التحتية، بشكل قد يؤدي إلى عزلة جوية على الاحتلال، خاصة إذا استجابت شركات عالمية لهذه التحذيرات.

إلى أين تتجه الأمور؟

الهجوم الحوثي على مطار “بن غوريون” ليس مجرد عملية عسكرية منفردة، بل هو مؤشر على تنامي التحديات الأمنية التي تواجهها إسرائيل في مرحلة “ما بعد غزة”. 

فمع توالي الضربات من لبنان والعراق واليمن، يبدو أن الاحتلال أمام واقع جديد يصعب فيه احتواء جميع التهديدات دفعة واحدة.

وتزداد خطورة المشهد إذا ما استمرت الولايات المتحدة والدول الغربية في دعم إسرائيل دون مراجعة للنتائج الكارثية لسياساتها، الأمر الذي قد يؤدي إلى انزلاق المنطقة نحو حرب متعددة الجبهات، يختلط فيها الردع بالمفاجأة، وتتحول فيها “الضربات الرمزية” إلى وقائع استراتيجية جديدة على الأرض.

اقرأ أيضًا : دعم إماراتي – إسرائيلي للخارجين عن القانون في غزة.. واعتقال الذراع اليمنى لأبو شباب يكشف المستور