في مشهد يجسد الانحطاط الأخلاقي والانفلات الفاشي داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، كشفت القناة 14 العبرية عن اجتماع عقده مجلس الوزراء الإسرائيلي اليوم الجمعة، ناقش فيه الوزراء كيفية التعامل مع الفلسطينيين الذين يقتربون من ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” في قطاع غزة، وهو خط غير مرئي يمثل حدود انسحاب الجيش الإسرائيلي بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

لكن ما أثار الصدمة هو مطالبة عدد من الوزراء، وعلى رأسهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بإطلاق النار على “الأطفال والحمير” أيضاً، بزعم أنهم قد يشكلون تهديدًا أو يساهمون في تهريب “عناصر معادية”.

وقال نائب رئيس أركان الجيش خلال الجلسة إن الجنود يطلقون النار على البالغين الذين يقتربون من الخط، بينما يوقفون الأطفال والحمير دون إطلاق النار، غير أن بن غفير قاطع الحديث صارخًا: “أطلقوا النار على الأطفال والحمير أيضًا.. علينا أن نتوقف عن الرحمة!”، وفق ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تساءل الوزير نفسه في استخفاف بإنسانية الفلسطينيين: “لماذا لا نطلق النار على طفل يركب حمارًا؟”، وهو تصريح لاقى تأييدًا ضمنيًا من وزراء آخرين بينهم دودي أمسالم، المسؤول عن التنسيق بين الحكومة والكنيست، الذي تساءل بدوره: “من يجب إطلاق النار عليه أولاً، الطفل أم الحمار؟”.

حتى وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي حاول لاحقًا التخفيف من وقع العبارات، قال في ختام النقاش إن “على كل من يقترب من السياج أن يعلم أنه قد يتعرض للأذى”، في تبرير واضح لسياسة إطلاق النار العشوائي التي تحولت إلى ممارسة رسمية على الأرض.

الخط الأصفر.. حدود الدم والخداع

الخط الأصفر الذي نصت عليه خطة ترامب كحدود لانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، تحول في الواقع إلى منطقة قتل مفتوحة للفلسطينيين. فالخط، الذي لا يظهر بوضوح على الأرض ولا توجد له إشارات مرئية، بات مصيدة مميتة للمدنيين، خاصة مع انتشار القناصة والدوريات الإسرائيلية التي تطلق النار على كل من يقترب منه.

ويؤكد شهود من داخل القطاع أن كثيرين من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، قتلوا لمجرد أنهم اقتربوا من هذه المنطقة دون علمهم بوجودها.

ووفق الخطة الأميركية، فإن انسحاب الجيش إلى الخط الأصفر يمثل المرحلة الأولى من “وقف إطلاق النار”، لكن الواقع أظهر أن الاحتلال استغل هذه النقطة لتبرير سيطرته على أكثر من نصف مساحة القطاع. وتشير تقديرات ميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يسيطر على 53% من غزة، بما في ذلك مناطق واسعة في الشمال والجنوب والوسط.

وقد شملت عمليات الانسحاب المزعومة مدينة غزة باستثناء حي الشجاعية وأجزاء من التفاح والزيتون، في حين أبقى الاحتلال على حصاره لبيت حانون وبيت لاهيا شمالًا، ومدينة رفح جنوبًا، وساحل القطاع بالكامل، مانعًا الفلسطينيين من العودة إلى منازلهم أو أراضيهم.

بعبارة أخرى، فإن “الخط الأصفر” الذي يفترض أن يكون حدًا للسلام، تحول إلى خط دم يقتل عنده الفلسطينيون بلا تمييز، وبغطاء سياسي رسمي من وزراء في حكومة اليمين المتطرف.

الفاشية الإسرائيلية إلى العلن

الخطير في تصريحات بن غفير وأمسالم وكاتس أنها لم تعد مجرد تعبير عن توجهات متطرفة في الهامش السياسي، بل أصبحت جزءًا من خطاب رسمي يتداول داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي. وهذا يعكس حجم التحول في البنية الفكرية والسياسية للنظام الإسرائيلي، الذي بات يشرعن علنًا قتل المدنيين العُزّل ويعتبر ذلك جزءًا من “الدفاع الوطني”.

إن التحريض على قتل الأطفال والحمير، كما ورد في الجلسة، لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره دليلاً على سقوط أخلاقي شامل داخل مؤسسات الحكم الإسرائيلية، حيث يختلط الخطاب العسكري بالتحريض الديني والقومي، لتبرير المجازر اليومية في غزة تحت مسمى “الأمن”.

ويبدو أن الوزراء المتطرفين، وعلى رأسهم بن غفير، يستغلون حالة الغموض التي تحيط بـ”الخط الأصفر” لتوسيع مساحة القتل دون مساءلة قانونية أو سياسية، إذ إن عدم تحديد الخط على الأرض يمنح الجنود حرية قتل أي فلسطيني بدعوى تجاوزه له.

وتؤكد منظمات حقوقية أن الجيش الإسرائيلي يستخدم هذه “المنطقة الغامضة” لتبرير جرائم الإعدام الميداني بحق مدنيين، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. كما ترى أن تصريحات الوزراء تمثل تحريضًا مباشراً على ارتكاب جرائم حرب يمكن أن تندرج ضمن “التحريض على الإبادة” وفق تعريف المحكمة الجنائية الدولية.

تواطؤ دولي وصمت أميركي

ورغم أن الخط الأصفر هو جزء من خطة وضعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن واشنطن لم تصدر حتى الآن أي تعليق على دعوات وزراء الاحتلال لقتل الأطفال. ويأتي ذلك في وقت تشارك فيه الولايات المتحدة عسكريًا في الإشراف على تنفيذ اتفاق غزة عبر “مركز التنسيق المدني العسكري” الذي تديره القيادة المركزية الأميركية في جنوب إسرائيل.

إن صمت واشنطن إزاء هذه التصريحات يثير تساؤلات عميقة حول مدى تورطها في سياسات الاحتلال، خاصة أن الخط الأصفر صُمم ليكون نقطة فاصلة بين “المنطقة الإسرائيلية” و”المنطقة الفلسطينية” تحت إشراف القوة الدولية المقترحة.

لكن ما يجري فعليًا هو تحويل هذه النقطة إلى خط إعدام مفتوح، تُطلق فيه النيران على المدنيين حتى لو كانوا أطفالًا أو حيوانات، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول التطهير العرقي في التاريخ الحديث.

خاتمة

إن تصريحات الوزراء الإسرائيليين اليوم لا تعكس فقط انحرافًا أخلاقيًا خطيرًا، بل تكشف أن إسرائيل باتت دولة تشرعن القتل العشوائي وتتباهى به على الهواء. وإذا كان “الخط الأصفر” في خطة ترامب يُفترض أن يكون خط سلام، فإن سلوك حكومة نتنياهو جعله خطًا للدم والعار، يُختبر عنده ضمير العالم، ويُقاس من خلاله مدى صدق الشعارات الغربية حول “حقوق الإنسان” و”حماية المدنيين”.

اقرأ أيضًا :   ترامب يقرع طبول الحرب في أميركا اللاتينية.. هل تقترب لحظة الصدام مع فنزويلا؟