في واقعة تهز صورة “الحرية الأمريكية” وتُسقط قناع دولة الحقوق والحريات، ألقت سلطات الهجرة الأميركية القبض على رميساء أوزتورك، طالبة دكتوراه تركية بجامعة تافتس العريقة، بتهمة فضفاضة: “الاشتباه في دعم حركة حماس”، دون أي أدلة معلنة، ودون تهمة جنائية واضحة.

رميساء، التي اختُطفت فعليًا من الشارع وهي في طريقها لحضور إفطار رمضاني، تعرضت منذ احتجازها إلى ثلاث نوبات ربو خطيرة، ولم تُمنح حتى اللحظة أدويتها الضرورية، وفقًا لمحاميها. المشهد يبدو وكأنه من إحدى زنازين الأنظمة القمعية، لا من دولة تدّعي أنها “منارة الحرية في العالم”.

 الاعتقال الصادم: من الإفطار الرمضاني إلى زنزانة مغلقة

وفقًا لبيان جامعة تافتس، فإن رميساء لم تنتهك أي قانون أمريكي، ولم تُمارس أي سلوك يستوجب التوقيف. بل كانت طالبة متفوقة، وناشطة في العمل الأكاديمي والمجتمعي، وتحظى باحترام واسع بين زملائها وأساتذتها.

ومع ذلك، وبدون مذكرة توقيف واضحة، قامت عناصر من وزارة الأمن الداخلي الأميركية باعتقالها، فيما وصفه محاميها بأنه “احتجاز تعسفي لا يليق بدولة قانون”.

 “أن تتنفس في أمريكا.. امتياز مشروط”

ما يثير الصدمة ليس فقط الاعتقال السياسي المقنّع، بل الإهمال الطبي المتعمد الذي تتعرض له رميساء في مركز احتجاز المهاجرين. فقد تعرضت لأزمات ربو متتالية، في مكان مغلق، ورُفض تزويدها بالأدوية أو الرعاية المناسبة، ما يُعد انتهاكًا صارخًا لأبسط حقوق الإنسان.

هذا يُعيد للأذهان حوادث سابقة لمهاجرين فقدوا حياتهم بسبب الإهمال الطبي في مراكز الاحتجاز الأمريكية، وهو ما يضرب مجددًا “وهم العدالة الإنسانية الأمريكية” الذي يُسوّق للعالم، بينما يُمارَس العكس داخليًا، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمسلمين أو منتقدين لسياسات الاحتلال الإسرائيلي.

 الحرية المقيّدة: دعم فلسطين تهمة؟

اللافت أن اعتقال رميساء جاء في ذروة التضامن الشعبي الأمريكي والعالمي مع فلسطين، في مواجهة الإبادة التي تتعرض لها غزة. إذ بات واضحًا أن أي تعاطف إنساني مع ضحايا الاحتلال يُعامل باعتباره تهديدًا أمنيًا في عرف المؤسسة السياسية والأمنية الأمريكية.

فإذا كانت “حرية التعبير” تُمنح لمن يحرض على الحرب أو يبرر جرائم الاحتلال، لكنها تُسلب من طالبة أعربت عن تعاطفها مع المدنيين المحاصرين، فإننا أمام نموذج استبداد مغلف بالشعارات، لا يختلف كثيرًا عن النماذج التي طالما انتقدتها واشنطن في الخارج.

 الجامعات الأمريكية.. في اختبار أخلاقي

بيان جامعة تافتس، الذي عبّر عن دعم صريح للطالبة رميساء، هو موقف نادر في ظل حالة التكميم التي تطال الأكاديميين والطلبة المؤيدين لفلسطين في الجامعات الأميركية. ومع ذلك، فإن هذا البيان لا يعفي الإدارة الأكاديمية في أمريكا من تساؤلات جوهرية:

  • إلى أي مدى تملك الجامعات حرية حقيقية أمام تغوّل الأجهزة الأمنية؟

  • لماذا يُستباح الطلاب الأجانب، خصوصًا من خلفيات إسلامية، بهذه السهولة؟

  • وأين الخط الفاصل بين الأمن القومي، والقمع السياسي المغلف بالقانون؟

هل تفضح رميساء زيف “أمريكا الحرة”؟

قضية رميساء أوزتورك تفتح ملفًا أعمق من مجرد احتجاز فردي. إنها تسلط الضوء على الوجه القمعي للمنظومة الليبرالية الأمريكية حين يتعلق الأمر بفلسطين أو بالمسلمين.

أن تُعتقل لأنك تُفكر، أو تُتعاطف، أو تُصلي – فهذه ليست حرية. إنها قناع هشّ لديمقراطية انتقائية.

وإذا لم يتحرك الرأي العام، داخل أمريكا وخارجها، فإن رميساء لن تكون الأخيرة، بل ستكون مجرد بداية في سلسلة من الاعتقالات الصامتة خلف ستار “محاربة الإرهاب”.

اقرأ أيضا: بعد إلغاء تأشيرته.. ناشط مؤيد لفلسطين يغادر أمريكا تحت الضغوط