حذّر نقيب الصحفيين التونسيين زياد دبار من تراجع غير مسبوق في حرية الصحافة بالبلاد، مؤكدًا أن التضييق على الصحفيين لم يعد حالات فردية، بل أصبح واقعًا يطبع المشهد الإعلامي بعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021.
وقال دبار، في حوار مع «الجزيرة نت»، إن تونس تشهد اليوم أحكامًا سالبة للحرية بحق صحفيين، إلى جانب ما لا يقل عن 30 قضية مرفوعة ضد عاملين في المجال الإعلامي، معتبرًا أن هذا الوضع لم تعرفه البلاد بهذه الصورة منذ الاستقلال، ويتناقض مباشرة مع شعارات الثورة وفي مقدمتها الحرية والكرامة.
وأضاف أن وجود صحفيين داخل السجون على خلفية آرائهم أو أعمالهم الصحفية يمثل محاولة لإخضاع الإعلام وضرب استقلاليته، محذرًا من أن غياب الدور الرقابي للصحافة يترك السلطة من دون مساءلة أو رقابة حقيقية.
وأوضح نقيب الصحفيين أن الأزمة لا تتعلق فقط بعدد القضايا، بل أيضًا بغياب الحماية القانونية للعاملين في المهنة، إذ يفترض أن ينظم المرسوم 115 العمل الصحفي، غير أن السلطات تلجأ في الممارسة إلى نصوص أخرى مثل مجلة الاتصالات والمرسوم 54، ما يضع الصحفيين أمام وضع قانوني هش ومفتوح على الملاحقة.
وأشار إلى أن النفاذ إلى المعلومة أصبح أكثر صعوبة، مع إغلاق أبواب عديدة أمام الصحفيين وتراجع حضور المسؤولين في وسائل الإعلام، حتى في الملفات التي تمس حياة التونسيين مباشرة، مثل أزمات الكهرباء والمياه والوضعين الاقتصادي والاجتماعي.
كما لفت إلى أن بعض الصحفيين ينتظرون الحصول على البطاقة المهنية منذ أكثر من عام، في مؤشر إضافي على العراقيل التي تواجه المهنة وتحد من قدرة العاملين فيها على أداء دورهم.
وفي ما يتعلق بالمرسوم 54، أوضح دبار أنه وُضع في الأصل لمواجهة الجرائم الإلكترونية والمالية والسيبرانية، لكن بعض فصوله تحولت إلى أداة لملاحقة الصحفيين والمدونين والمواطنين بسبب تعليقات أو تدوينات أو آراء منشورة.
وأكد أن النقابة لم تطالب بإلغاء التشريعات المنظمة للفضاء الرقمي، وإنما دعت إلى تنقيح المرسوم وحذف الفصول التي ترى أنها تهدد الحقوق والحريات، ولا سيما الفصول 9 و10 و22 و24 و25. وأضاف أن المبادرة التي قدمتها النقابة استوفت الشروط القانونية داخل البرلمان، لكنها تعطلت.
وحذر دبار من أن تراجع استخدام المرسوم 54 لم ينهِ المشكلة، إذ عادت السلطات إلى استخدام الفصل 86 من مجلة الاتصالات، وهو قانون يعود إلى عام 2001، بما يعكس استمرار المنظومة القانونية المقيدة لحرية التعبير بدل مراجعتها.
ووصف علاقة السلطة الحالية بالإعلام بأنها تتجه نحو التحكم في مفاصل القطاع، سواء من خلال التشريعات أو التضييق على الوصول إلى المعلومات أو إضعاف الهيئات التعديلية، مؤكدًا أن تونس تفتقر اليوم إلى سياسة عمومية واضحة للإعلام، في ظل رفض السلطة الحوار مع النقابات.
ويرى نقيب الصحفيين أن الأزمة وصلت إلى مستوى «المعركة الوجودية» بالنسبة إلى مستقبل الصحافة في تونس، متسائلًا عمّا إذا كانت ستبقى هناك صحافة مستقلة بعد عشرة أو خمسة عشر عامًا، وما الشكل الذي ستتخذه إذا استمر المسار الحالي.
كما شدد على أن غياب المعلومات الرسمية يفتح الباب أمام الإشاعات، ويضعف ثقة المواطنين في الإعلام والدولة معًا، خاصة خلال الأزمات الكبرى التي تحتاج إلى تواصل رسمي واضح يشرح الأوضاع بدل ترك المجال للمصادر المجهولة والتسريبات.
وأقر دبار بأن جزءًا من أزمة الثقة في الإعلام يعود إلى القطاع نفسه، بعدما ارتبطت بعض المؤسسات بأجندات سياسية وأصبح مالكوها يؤثرون في خطوطها التحريرية، لكنه أكد أن الصحافة المهنية تبقى ضرورية للتحقق من المعلومات وتنظيمها وتفسيرها.
وتأتي تحذيرات نقابة الصحفيين في ظل تراجع أوسع للحريات العامة في تونس منذ استحواذ قيس سعيّد على أغلب السلطات عام 2021، وإغلاق البرلمان، وإقالة الحكومة، والانتقال إلى الحكم بالمراسيم، وهي خطوات تصفها المعارضة بأنها انقلاب على المسار الديمقراطي، بينما يقول سعيّد إن الحريات مضمونة.
ويكشف تصاعد قضايا النشر وسجن الصحفيين أن تونس تبتعد تدريجيًا عن أحد أبرز مكاسب ثورتها، إذ لم يعد الخطر مقتصرًا على التضييق المهني، بل بات يمس حق المجتمع كله في المعرفة والرقابة والمساءلة، في وقت تتسع فيه سلطة الدولة وتتقلص مساحة التعبير المستقل.