في مشهد حمل أكثر من مجرد عملية تبادل أسرى، وقفت كتائب القسام على منصة الإفراج في خان يونس رافعة صورة الأسير الإسرائيلي “متان تسانجاوكر” بجانب والدته، مع عبارة صارخة “الوقت ينفد” إلى جانب ساعة رملية، في إشارة واضحة إلى أن مزيدًا من الوقت قد لا يكون في صالح الاحتلال. 

هذه الصورة، المحملة بالدلالات، تعكس أن المقاومة ليست فقط من يتحكم في مصير الأسرى، بل تمسك بزمام معركة الأعصاب التي يخوضها الاحتلال منذ السابع من أكتوبر 2023. 

فالقسام، بهذه الصورة الرمزية، أرادت إيصال رسالة بأن الوقت المتاح أمام الاحتلال لإنهاء ملف الأسرى وفق شروط المقاومة يضيق يومًا بعد يوم، وأن أي مماطلة إسرائيلية ستكلف الاحتلال مزيدًا من الضغط الداخلي والانقسامات السياسية.

تسليم الأسرى

تسليم الأسرى

مركبة 7 أكتوبر ورسالة الغنائم

لم يكن اختيار مركبة إسرائيلية استولت عليها كتائب القسام في يوم الهجوم مجرد وسيلة نقل، بل رسالة مفادها أن ما بدأ في 7 أكتوبر لا يزال ممتدًا، فالاحتفاظ بالمركبة واستخدامها لتسليم الأسرى الإسرائيليين الثلاثة، يعكس استمرار تداعيات تلك العملية على الاحتلال حتى اللحظة، ويعيد إلى الأذهان حجم الفشل الأمني والعسكري الإسرائيلي في التصدي لكتائب القسام.

وأكثر من ذلك، حمل مقاتلو القسام خلال عملية التسليم أسلحة أخذت من جنود الاحتلال يوم الهجوم ذاته، لتكون الصفعة الأخيرة التي يراها الاحتلال مباشرة عبر عدسات كاميراته قبل استلام أسراه. 

هذه التفاصيل لم تكن مجرد صدفة، بل رسائل محسوبة بدقة تشير إلى أن المقاومة ما زالت تمتلك زمام المبادرة، وأنها قادرة على فرض معادلاتها الميدانية حتى في ظل الحرب الشرسة على غزة.

رمزية الأعلام..والهجرة للقدس

منصة تسليم الأسرى هذا اليوم حملت بُعدًا سياسيًا لافتًا، حيث زُيّنت بأعلام دول عربية وإسلامية، وهي: مصر، لبنان، السعودية، الجزائر، اليمن، العراق، والأردن، باتجاه القدس، في مشهد يؤكد أن معركة غزة ليست مجرد صراع محلي، بل هي قضية تمثل الأمة العربية والإسلامية. 

غير أن ما لفت الانتباه هو غياب العلم الإيراني عن التصميم، رغم أنه كان حاضرًا في فعاليات سابقة، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول الرسائل التي أرادت حماس إيصالها.

يضاف إلى ذلك أن المقاومة أعلنت في رسالة مباشرة أنها تضرب كل مخططات التهجير عرض الحائط برفع لافتة “لا هجرة إلا للقدس” دلالة على رفض مقترح ترامب وإصرار المقاومة على تحرير كامل أراضيها من الاحتلال

هل تعكس هذه الخطوة توجهًا جديدًا في خطاب المقاومة؟ أم أنها مجرد تكتيك سياسي مدروس يتناسب مع اللحظة الراهنة؟

تكريم الأسرى وهزيمة ترامب

وفي خطوة ذات بُعد إنساني حاد، قدمت كتائب القسام للأسير الإسرائيلي ساغي ديكل حن قطعة ذهبية كهدية لابنته، التي ولدت بعد أربعة أشهر من أسره، هذه اللفتة لم تكن عفوية، بل تأتي في سياق تأكيد المقاومة على أنها صاحبة القرار، تتحكم في مصير الأسرى وفق رؤيتها، وتعاملهم بما تراه مناسبًا وفق موازين القوى التي فرضتها. 

في المقابل، كانت تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن تسوية غزة بالقصف والتدمير قد لاقت في غزة ردًا عمليًا، حيث مضت المقاومة في قراراتها دون اكتراث لتهديدات واشنطن أو تل أبيب، مما يعكس فشل سياسة الردع الأمريكية أمام إرادة المقاومة الصلبة.

حماس ترسم المشهد.. والاحتلال يتلقى الضربات

لا شك أن هذه العملية أعادت للأذهان تبادل الأسرى عام 2011، عندما تمكنت المقاومة من فرض شروطها وإجبار الاحتلال على صفقة أفرجت عن أكثر من ألف أسير فلسطيني. واليوم، تعيد القسام الكرة، ولكن في ظرف أكثر تعقيدًا وحساسية، حيث تسود إسرائيل حالة من التخبط السياسي والعسكري بسبب عجزها عن فرض حلول تعيد لها هيبتها المفقودة. الخطوات المدروسة التي تتخذها حماس، بما في ذلك اختيار مشاهد رمزية مدروسة خلال عمليات التسليم، تعزز صورة المقاومة كجهة منتصرة تفرض إرادتها، وتجبر الاحتلال على الرضوخ تحت الضغط الشعبي والسياسي.

ختامًا، تبقى كتائب القسام اللاعب الأبرز في هذه المعادلة، تفرض شروطها وتتحكم في مسار الأحداث، بينما يواصل الاحتلال وحلفاؤه تلقي الصفعات السياسية والعسكرية دون قدرة حقيقية على تغيير المعادلة. الأيام القادمة قد تحمل مزيدًا من الرسائل النارية، ولكن المؤكد أن زمن فرض الشروط الإسرائيلية قد ولى.

اقرأ أيضًا : “ترامب يتوعد وإسرائيل تترقب”.. حين تصبح تهديدات واشنطن بلا وزن في معادلة المقاومة