في خطوة تحمل رمزية عميقة ورسائل صريحة من المقاومة الفلسطينية، شهدت مراسم تسليم الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة تنظيم عملية تبادل معقدة ومجزأة إلى جزئين على صعيد الموقع. 

فقد تم تسليم الأسرى في موقعين مختلفين، حيث تمت عملية التسليم في مدينة رفح برسائل المقاومة التي ترمز إلى النضال الثابت، فيما جرت عمليات أخرى في مخيم النصيرات على نمط مختلف.

تسليم الأسرى في رفح

في مدينة رفح، صُوّر المشهد بمزيج من الرموز الثورية التي حملت رسالة نارية ضد الاحتلال، فقد رافق عملية التسليم صورة الشهيد القائد العام السابق لكتائب “عز الدين القسام” – محمد الضيف – مع عبارة “نستطيع أن نغير مجرى التاريخ”، لتؤكد عزم المقاومة على قلب موازين الأحداث. 

وقد تميّز الجزء الأول من عملية التسليم بتسليم اثنين من الأسرى هما تال شوهام الذي أسر في السابع من أكتوبر وأفيرا منغستو الذي أسر في عام 2014، وظلت المقاومة حريصة على الحفاظ عليه رغم تجاهل الاحتلال له بسبب أصوله الإثيوبية. 

وقد رفعت المنصة في رفح لافتات ضخمة، من بينها العبارة “نحن الطوفان.. نحن البأس الشديد”، والتي حملت صوراً لمعارك سابقة مثل عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها فصائل فلسطينية مشتركة في 7 أكتوبر 2023، لتؤكد أن المقاومة لا تزال قادرة على استغلال رموز الماضي لتأكيد وجودها في الحاضر، كذلك كتب على اللافتة بيت الشعر الذي كرره القائد الشهيد يحيى السنوار “وللحرية الحمراء بابٌ بكل يدٍ مضرجةٍ يُدق” كما وضعت كتائب القسام أسلحة إسرائيلية منكسة الفوهات على المنصة، بالإضافة إلى كلمة معبرة عن تضحيات الشعب الفلسطيني “اخلع حذاءك فكل شبر من هذه الأرض رُوي بدماء الشهداء”.

تسليم الأسرى في مخيم النصيرات

شهد مخيم النصيرات مشهداً ميدانيّاً مختلفاً عن رفح لكنه لا يقل رمزية، ففي هذا الموقع، جرت عملية تسليم الأسرى في إطار الدفعة السابعة من صفقة التبادل، حيث تم تسليم أربعة أسرى إسرائيليين، وهم يليا كوهن، وعمر شيم توف، وعومر فنكرت، وهشام السيد.

وفي مخيم النصيرات، وُضِعت لافتة رئيسية بثلاث لغات (العربية، العبرية، والإنجليزية) حملت عبارة “الأرض تعرف أهلها.. مِن الأغراب مزدوجي الجنسية”، والتي تُبرز الهوية والارتباط العميق بالأرض رغم محاولات الاحتلال خلق فجوات في الانتماء. 

كما ظهر على الجدار صورة لشجرة متجذرة في الأرض يلتف حولها العلم الفلسطيني، مشيرة إلى أن جذور الهوية لن تُقطع مهما حاول العدو تفريق الشعب الفلسطيني.

وقد جاء تقسيم عملية التسليم إلى جزئين لتأكيد أن المقاومة تعمل على أكثر من جبهة، وهذا التنوع في المواقع يعكس مدى تخطيط المقاومة لكافة التفاصيل الإعلامية والميدانية لإبراز أن كل جزء من الشعب الفلسطيني يناضل بنفس الحماسة والصلابة.

خلفية صفقة التبادل وأبعادها السياسية والإنسانية

تأتي هذه المبادرة في إطار اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير، والذي شمل ثلاث مراحل تستمر كل منها 42 يوماً.

تُعد الصفقة جزءاً من سلسلة تبادلات طويلة الأمد، حيث تم تسليم 19 أسيراً إسرائيلياً و4 جثامين في دفعات سابقة، فيما تنتظر إسرائيل الإعلان عن أسماء الأسرى الفلسطينيين المراد الإفراج عنهم لاحقاً.

يأتي الاتفاق على تسليم الأسرى في ظل ظروف قاسية؛ فقطاع غزة يعيش تحت حصار إسرائيلي دام 18 عاماً، ومع تصاعد انتهاكات الاحتلال خاصة في محيط المسجد الأقصى، باتت صفقة التبادل وسيلة لإبراز حجم التضحيات التي يقدمها الشعب الفلسطيني.

إلى جانب ذلك، يشهد العالم موجة من الدعم الدولي والضغط السياسي لتخفيف معاناة المدنيين، خاصة بعد ما أودت به العمليات العسكرية منذ 7 أكتوبر بحياة أكثر من 160 ألف فلسطيني، مع إصابة العديد من الأطفال والنساء وتزايد عدد المفقودين.

ولعل تقسيم عملية التسليم إلى جزئين يمثل رسالة مباشرة للمجتمع الدولي؛ إذ يُظهر أن المقاومة ليست مجرد جبهة عسكرية بل جبهة شعبية شاملة تتقاسمها كافة الفئات والأقاليم، وأنها مستمرة في كتابة صفحات من التاريخ بمداد البطولة والتحدي.

والآن يشاهد العالم هذه الخطوات، حيث تظل رسالة المقاومة راسخة وقوية: “نستطيع أن نغير مجرى التاريخ”، رسالة تذكّر الجميع بأن النضال من أجل الحرية والكرامة لا يعرف الحدود، وأن الشعب الفلسطيني سيظل يقف في وجه الاحتلال بكل ما أوتي من قوة وإصرار.

اقرأ أيضًا : “السنوار” أسطورة صمدت حتى النهاية.. تقرير الجيش الإسرائيلي يكشف المستور