في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات والجدل، حطّ وفد يهودي أمريكي رحاله في دمشق ضم شخصيات معروفة بمواقفها الصهيونية، في أول زيارة من نوعها منذ سقوط نظام الأسد. هذه الزيارة، التي قادها يوسف حمرا، ابن الحاخام الذي لعب دورًا أساسيًا في تهجير يهود سوريا إلى إسرائيل، لم تأتِ في سياقٍ طبيعي، بل تزامنت مع تصعيد إسرائيلي خطير في المنطقة، ووسط عدوان يشنه الاحتلال ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وبعد 16 شهرًا من إبادة جماعية في غزة. الخطوة، التي حاول القائمون عليها تبريرها بأنها تأتي في إطار “إعادة السوريين إلى وطنهم”، تفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة: هل تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى تقديم نفسها كحكومة “منفتحة”، حتى لو كان ذلك على حساب الثوابت الوطنية؟

الوفد لم يكن مجرد مجموعة من الزوار العائدين إلى “جذورهم”، بل ضم شخصيات لها تاريخ واضح في دعم الاحتلال، أبرزهم الحاخام آشر لوباتين، الذي لا يخفي تأييده لضم الجولان لإسرائيل. لوباتين، الذي ظهر في دمشق متحدثًا عن “رؤية جديدة لسوريا”، لم يأتِ ليبحث عن تراث اليهود السوريين، بل كان يمثل جزءًا من محاولة إعادة رسم مشهد سياسي قد يفضي إلى منح الاحتلال الإسرائيلي نافذة جديدة داخل سوريا، تحت غطاء إعادة “المنفيين”. إذا كان الهدف هو إعادة الاعتبار لحقوق الأقليات، فلماذا يُفتح الباب لشخصيات صهيونية لها ارتباطات مباشرة بدوائر الاحتلال، بينما يُمنع الفلسطينيون من العودة إلى ديارهم التي هُجروا منها قسرًا على يد العصابات الصهيونية؟

توقيت هذه الزيارة يثير الريبة، فقد جاءت بالتزامن مع نشر الصحفي الإسرائيلي إيتاي أنغل، المعروف بدعمه للإبادة في غزة، صورة له داخل العاصمة السورية. وجود هذا الصحفي في دمشق، في نفس الفترة التي كانت إسرائيل تشن فيها هجمات مكثفة على لبنان وسوريا، ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر على مستوى الاختراق الذي قد يكون قد بدأ في سوريا الجديدة. كيف يمكن تفسير وجود صحفي معروف بولائه المطلق لإسرائيل داخل سوريا، بينما لا تزال الطائرات الإسرائيلية تدك الأراضي السورية؟ هل هذا مجرد صدفة، أم أن هناك مسارًا يجري العمل عليه لفرض واقع جديد على سوريا، تحت مسميات براقة مثل “إعادة التواصل مع الجاليات” و”فتح سوريا لكل أبنائها”؟

ما يزيد من خطورة هذه التحركات أنها جاءت على وقع عدوان إسرائيلي متواصل. في الليلة التي سبقت زيارة الوفد، شنت إسرائيل قصفًا على نقطة حدودية بين لبنان وإسرائيل، بينما كانت دمشق تستعد لاستقبال شخصيات صهيونية تحت غطاء “التواصل مع الجذور”. وقبل ذلك بأسابيع، كانت الطائرات الإسرائيلية قد دمرت مواقع للجيش السوري، في تكرار لسيناريو استهداف سوريا دون رد. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ هل الإدارة السورية الجديدة تتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي كعدو أم أنها تترك المجال مفتوحًا أمام خطوات من شأنها أن تؤدي، ولو تدريجيًا، إلى تطبيع مخز على خطى الأنظمة المنبطحة في المنطقة؟

في ظل هذه المعطيات، تصبح التساؤلات أكثر إلحاحًا: هل هذه مجرد خطوة في إطار لعبة سياسية أكبر تهدف إلى إعادة رسم التحالفات في المنطقة؟ هل هناك جهات تعمل على فرض التطبيع كأمر واقع على الحكومة السورية الجديدة، مستغلة ضعفها في هذه المرحلة الانتقالية؟ هل هناك تفاهمات غير معلنة بين بعض الأطراف الإقليمية والدولية على إعادة إدخال إسرائيل إلى المشهد السوري، ولو تحت غطاء “إعادة اليهود إلى وطنهم”؟

محاولة تسويق هذه الزيارة كخطوة “إنسانية” تتجاهل حقيقة أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال قائمًا، وأن سياسة التطبيع التي فُرضت على بعض الدول لم تجلب لها إلا المزيد من الهيمنة الإسرائيلية والتغلغل في قراراتها السيادية. لم يكن التطبيع يومًا خطوة نحو “السلام”، بل كان دائمًا وسيلة إسرائيلية لفرض السيطرة بأدوات مختلفة. سوريا، التي دفعت ثمنًا باهظًا بسبب الاحتلال لعقود، لا يمكن لها أن تقع الآن في الفخ نفسه الذي وقعت فيه دول أخرى، تحت ذرائع مثل “احترام حقوق الأقليات”.

الدلالات هنا واضحة وخطيرة. السماح بعودة اليهود إلى سوريا في هذا التوقيت، بينما لا تزال المذابح ضد الفلسطينيين مستمرة، واحتلال إسرائيل للجولان قائم، ليس مجرد خطوة رمزية، بل مؤشر على انزلاق خطير قد يجر سوريا إلى مسار تطبيعي، حتى لو كان ذلك تحت غطاء ثقافي أو ديني. من يرفع شعار “إعادة اليهود إلى وطنهم” عليه أن يتذكر أن سوريا تضم ثاني أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين، الذين حُرموا من حق العودة إلى ديارهم بسبب الاحتلال الإسرائيلي. لا يمكن الحديث عن “العدالة” و”الحقوق” في ظل هذا التناقض الصارخ، حيث يُفتح الباب لمن دعموا الاحتلال، بينما يبقى الفلسطينيون في المنفى، محرومين من أدنى حقوقهم.

الأمر لا يتعلق فقط بهذه الزيارة، بل بسياق أوسع لمحاولات إعادة صياغة المشهد في سوريا بعد سقوط نظام الأسد. إن أي محاولة لتقديم سوريا كدولة “منفتحة” يجب ألا تأتي على حساب ثوابتها الوطنية، وأي خطوة تسير في اتجاه منح الاحتلال شرعية، ولو بشكل غير مباشر، ستؤدي إلى نتائج كارثية. سوريا ليست بحاجة إلى “إعادة التواصل” مع من دعوا إلى تهجير اليهود السوريين إلى إسرائيل، ولا إلى استقبال من دعوا إلى ضم الجولان، ولا إلى فتح أبوابها أمام صحفيين دعموا الإبادة الجماعية في غزة. ما تحتاجه سوريا هو موقف صلب ضد الاحتلال، يرفض أي خطوة يمكن أن تؤدي، ولو بعد سنوات، إلى التطبيع بأي شكل من الأشكال.

إن من يظن أن هذه التحركات قد تمر دون أن يلحظها الشارع العربي مخطئ. الشعوب التي تتصدى للتطبيع، وواجهت محاولات فرضه بالقوة، لن تقبل بأن يتحول بلد مثل سوريا، الذي ظل لعقود رمزًا للمواجهة مع إسرائيل، إلى بوابة خلفية لعودة الصهاينة تحت مسميات براقة. الحكومة السورية الجديدة أمام اختبار حقيقي، فإما أن تحافظ على الخط الوطني الذي دافعت عنه سوريا لعقود، أو أن تقع في فخ المساومات السياسية التي ستنتهي بها في ذات المستنقع الذي وقعت فيه أنظمة أخرى. ما زال هناك وقت لتصحيح المسار، ولكن أي تهاون في هذه المسألة سيجعل سوريا الجديدة مجرد نسخة أخرى من الأنظمة التي سبقتها، دون أي فرق حقيقي سوى في الشعارات.