يعود اسم مستشفى كمال عدوان إلى القائد الفلسطيني كمال عدوان، أحد أبرز رموز النضال الوطني الفلسطيني الذي وُلد عدوان عام 1935 في قرية بربرة المهجرة خلال نكبة 1948، حيث أجبر الاحتلال الإسرائيلي عائلته على مغادرة وطنهم قسرًا.
انخرط عدوان في صفوف المقاومة الفلسطينية منذ شبابه، وتولى مسؤوليات بارزة في حركة فتح، حيث كان مسؤولًا عن الإعلام والتوجيه الوطني داخل الحركة.
عُرف كمال عدوان بتبنيه فكرة المقاومة المسلحة وضرورة ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية، إلى أن اغتالته القوات الإسرائيلية في عملية سرية نفذتها وحدة “سييرت متكال” الخاصة في بيروت عام 1973.
ورغم اغتياله، ظل اسمه خالداً في ذاكرة الفلسطينيين، وأطلق اسمه على المستشفى الواقع في شمال قطاع غزة ليكون صرحًا طبيًا يقدم الرعاية الصحية للمواطنين، ويجسد رمزية الكفاح الفلسطيني.
![]()
المستشفى تحت نيران الاحتلال.. صمود رغم الدمار
في قلب بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، يقف مستشفى كمال عدوان شاهدًا على الدمار الهائل الذي خلفه العدوان الإسرائيلي، خلال العدوان الأخير، تعرض المستشفى للقصف والاقتحام والتدمير، ليصبح مثالًا حقيقيًا على استهداف الاحتلال للمنظومة الصحية الفلسطينية.
في ديسمبر 2023، شنت القوات الإسرائيلية هجومًا عنيفًا على المستشفى، دمرت خلاله أجزاءً واسعة منه، مما أدى إلى توقف العديد من الخدمات الطبية الأساسية.
وفي مايو 2024، استهدفت الغارات الجوية مولدات الطاقة الخاصة بالمستشفى، مما فاقم معاناة المرضى والطواقم الطبية، ولم يقتصر الأمر على القصف فحسب، بل أقدم الاحتلال في ديسمبر 2024 على اقتحام المستشفى، وأجبر الأطباء والمرضى على الإخلاء الفوري، قبل أن يقوم الجنود الإسرائيليون بحرق أقسام المستشفى وتخريب معداته بالكامل.
رافق ذلك حملة اعتقالات واسعة طالت العاملين في المستشفى، وكان أبرزهم مدير المستشفى الدكتور حسام أبو صفية، الذي انتشرت صور اعتقاله بين الركام على منصات التواصل الاجتماعي، ليصبح رمزًا لصمود القطاع الصحي الفلسطيني رغم التحديات.
مستشفى تحت الأنقاض.. ومواصلة العلاج في الخيام
بعد الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على القطاع الصحي، باتت المستشفيات في غزة في وضع كارثي، فبحسب آخر الإحصاءات، تعرض 34 مستشفى من أصل 38 في غزة للتدمير أو التوقف الجزئي، بينما خرجت 80 منشأة طبية عن الخدمة تمامًا.
وفي ظل هذا الواقع المأساوي، لم يتوقف الأطباء والطواقم الصحية في مستشفى كمال عدوان عن أداء واجبهم، بل أقاموا مستشفى ميدانيًا داخل ساحات المستشفى المدمر، مستخدمين الخيام والبلاستيك السميك لتوفير الحد الأدنى من الرعاية الطبية.
صخر حمد، القائم بأعمال مدير المستشفى، أكد أن هذه المبادرة جاءت استجابة للحاجة الملحة لعلاج المصابين والمرضى الذين يعانون من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. وعلى الرغم من قلة الإمكانيات، فإن الأطباء يواصلون العمل لإنقاذ الأرواح، بينما يتم تجهيز عيادات متنقلة في محاولة لتعويض الدمار الذي لحق بالمستشفى.
إلى جانب التحديات الطبية، يواجه المستشفى صعوبات في توفير الخدمات الأساسية مثل التغذية والرعاية لمرضى سوء التغذية، حيث أوضح حمد أن الأطفال في غزة يعانون من أوضاع كارثية نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر ونقص الإمدادات الغذائية.
شهادات من قلب المأساة.. جرائم حرب موثقة
مراسلون محليون ودوليون دخلوا المستشفى المدمر، ووثقوا حجم الفاجعة التي حلت به، داخل الأقسام المحترقة، ما زالت آثار الدمار شاهدة على حجم الجريمة.
في قسم العناية المركزة، لم يتبقَ سوى الركام، أما قسم الأطفال فامتلأ بالحضّانات المحروقة التي احترقت بنيران الاحتلال قبل أن يتمكن العاملون من إنقاذ بعض المواليد.
مدير التمريض في المستشفى عيد صباح وصف المشهد قائلاً: “ما جرى هنا هو جريمة حرب مكتملة الأركان، الاحتلال دمر المستشفى بالكامل، قتل الكوادر الطبية، واعتقل الأطباء والممرضين بلا رحمة.
وأضاف أن أكثر من 60 من الكوادر الطبية تعرضوا للاعتقال، بينما استشهد 30 آخرون خلال أداء واجبهم الإنساني، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية.
مطالبات بالمحاسبة وإعادة الإعمار
رغم إبرام اتفاق وقف إطلاق النار تتعالى الأصوات المطالبة بمحاسبة الاحتلال على جرائمه، فقد دعت منظمات حقوقية ودولية إلى تحقيق عاجل في استهداف المستشفى، ومحاسبة المسؤولين عن تدميره.
كما طالبت وزارة الصحة الفلسطينية المجتمع الدولي بضرورة التدخل العاجل لإعادة بناء المستشفى وضمان تقديم الخدمات الصحية لمواطني شمال قطاع غزة.
في 28 ديسمبر 2024، أكدت وزارة الصحة أن الاحتلال اعتقل مدير المستشفى حسام أبو صفية، بعد يوم من اقتحام المستشفى وإضرام النيران في أجزائه المختلفة.
وقبلها بشهر، تعرض أبو صفية لإصابة خلال قصف استهدف المستشفى، لكنه أصر على البقاء في موقعه ومواصلة علاج المرضى، في تجسيد حقيقي لمعنى الإخلاص والتفاني في العمل.
مستشفى كمال عدوان إرثٌ لا يُمحى
قد يتحول مستشفى كمال عدوان إلى أنقاض، وقد تحترق أجهزته وتُهدم جدرانه، لكن رسالته الإنسانية والوطنية لن تموت، في كل زاوية من المستشفى المدمر، هناك قصة صمود وتحدٍ، هناك طبيب يكافح لإنقاذ حياة مريض، وهناك ممرضة تواصل عملها رغم المخاطر، وهناك روح مقاومة تأبى الخضوع.
إن استهداف المستشفيات في غزة ليس مجرد اعتداء عسكري، بل هو جريمة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني.
ومع ذلك، يظل مستشفى كمال عدوان أيقونة للصمود، وشاهدًا على وحشية الاحتلال الإسرائيلي، ودليلًا على أن الشعب الفلسطيني، رغم الألم والمعاناة، ماضٍ في طريقه نحو الحرية والكرامة.
اقرأ أيضًا : العرجاني.. أحمد عز جديد أم نواة لميلشيات مسلحة في مصر؟