كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية عن مفاوضات سرية بين نظام السيسي وحركة حماس، تضمنت عرضًا مصريًا يقضي بتسليم الفصائل الفلسطينية للصواريخ والقذائف التي يمكن استخدامها لمهاجمة الاحتلال الإسرائيلي، على أن يتم تخزينها في مستودعات تحت إشراف مصري وأوروبي حتى يتم إنشاء دولة فلسطينية.

ووفقًا لمصادر مصرية مسؤولة، فإن القيادي في حركة حماس خليل الحية رفض الاقتراح بشكل قاطع خلال اجتماع عقد في فبراير مع رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، مشددًا على أن المقاومة لن تتخلى عن سلاحها الذي يمثل ضمانة وحيدة لحماية الشعب الفلسطيني من الاحتلال.

الصحيفة أوضحت أن المقترح المصري جاء بدعم من السعودية التي تؤيد خطة لنزع سلاح حماس مع منحها دورًا سياسيًا في إدارة غزة بعد الحرب، في المقابل، تتبنى الإمارات العربية المتحدة موقفًا أكثر تطرفًا، إذ تسعى لإقصاء حماس نهائيًا من المشهد وتسليم القطاع للسلطة الفلسطينية، فيما لا يزال هناك خلاف بين الدول العربية حول إمكانية إرسال قوات عربية لضبط الأمن في غزة ما بعد الحرب.

أما الاحتلال الإسرائيلي، فقد أبلغ الوسطاء أنه يرفض أي دور لحماس في غزة بعد انتهاء الحرب، وهو مطلب تحظى تل أبيب فيه بدعم واشنطن. 

وبينما تستمر المفاوضات حول مستقبل غزة، استغلت حماس فترات وقف إطلاق النار لتثبيت نفوذها في القطاع، مما عزز موقف الرافضين لإنهاء الحرب داخل الاحتلال.

السيسي وتقديم أوراق اعتماده لتل أبيب وواشنطن

تحركات النظام المصري في هذا الملف تثير الكثير من التساؤلات حول مدى انحيازه للمقاومة الفلسطينية بالفعل، أو عمله كوسيط يخدم المصالح الإسرائيلية تحت غطاء التسوية السياسية. 

فمنذ انقلاب عبد الفتاح السيسي في 2013، اتخذ النظام المصري موقفًا عدائيًا ضد المقاومة الفلسطينية، وشدد الحصار على غزة، بل وأغلق معظم الأنفاق التي كانت تمثل شريان الحياة لأهالي القطاع. والآن، يعود النظام المصري بمبادرة جديدة تدفع باتجاه نزع سلاح المقاومة، في محاولة واضحة لتقديم نفسه كحليف موثوق لواشنطن وتل أبيب.

على الرغم من أن السيسي يعلن رفضه للتهجير القسري لأهالي غزة، إلا أن هذا الموقف ليس نابعًا من التزام بمبادئ وطنية أو إنسانية، بل خوفًا من الغضب الشعبي داخل مصر.

فالموافقة على تهجير الفلسطينيين إلى سيناء كانت ستؤدي إلى انفجار الشارع المصري ضد النظام، الذي يعاني بالفعل من أزمات اقتصادية خانقة وتراجع كبير في شعبيته.

لذلك، يحاول السيسي التلاعب بالملف الفلسطيني بطريقة تحافظ على استقرار حكمه، وتبقيه في دائرة رضا القوى الغربية.

تاريخ من الخيانة.. عباس كامل نموذجًا

ما تقوم به المخابرات المصرية اليوم ليس جديدًا، بل هو امتداد لسياسات تواطأت فيها القاهرة مع الاحتلال ضد المقاومة.

فقد كشف الصحفي الأميركي بوب وودورد في كتابه الشهير الحرب الذي أزاح الستار عن دور رئيس المخابرات المصرية السابق اللواء عباس كامل في التعاون مع واشنطن وتل أبيب ضد حماس.

وبحسب ما ورد في الكتاب، فإن عباس كامل قدم معلومات حساسة إلى وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن حول أنفاق حماس، ونصح الاحتلال بالانتظار حتى يتمكن من القضاء على قادة المقاومة، في إشارة إلى عمليات الاغتيال التي تستهدف شخصيات بارزة في الحركة.

هذا الموقف يعكس العقلية الأمنية للنظام المصري، الذي يرى في المقاومة الفلسطينية تهديدًا لمعادلة “الاستقرار” التي يروج لها

فبدلًا من دعم المقاومة كقوة تحريرية، يعتبرها النظام عبئًا سياسيًا يجب تصفيته أو تحجيمه، إما عبر نزع سلاحها أو بإقصائها من المشهد تمامًا.

حماس تدرك المخاطر وتتحصن بالميدان

رغم الضغوط الكبيرة التي تمارسها القاهرة وبعض العواصم العربية، إلا أن حماس تدرك أن أي خطوة نحو نزع سلاحها ستعني عمليًا تسليم غزة على طبق من ذهب للاحتلال. لذلك، فإن قيادة الحركة ترفض بشدة هذا الطرح، وتتمسك بحقها في امتلاك قوة ردع ضد الاحتلال، حتى لو كان الثمن استمرار القتال.

ورغم أن بعض قيادات حماس يعترفون بأن الحركة قد لا تبقى الحاكمة الفعلية لقطاع غزة بعد الحرب، إلا أنهم يصرون على أن تبقى الحركة قوة مسلحة قادرة على فرض معادلات جديدة ضد الاحتلال، والاستعداد لمعارك مستقبلية إذا استمر العدوان الإسرائيلي.

في ظل هذه التعقيدات، يبقى مستقبل غزة رهينة للمصالح الدولية والإقليمية، حيث تحاول بعض الأنظمة العربية تصفية المقاومة لصالح الاحتلال، بينما تسعى المقاومة للحفاظ على وجودها رغم كل الضغوط. 

والسؤال الأهم الذي يفرض نفسه الآن: هل تستطيع الأنظمة العربية فرض رؤيتها على المقاومة، أم أن صمود غزة سيقلب الطاولة على الجميع كالعادة؟.

اقرأ أيضًا : تدهور صحة ليلى سويف يكشف الوجه القمعي لنظام السيسي