تشهد الساحة السورية تطورات متسارعة تهدد بتغيير ميزان القوى في المنطقة، مع تصاعد التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، في ظل صمت رسمي من النظام الجديد في دمشق.
الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي صعد إلى السلطة مؤخرًا، يتبع نهجًا متحفظًا يقوم على التهدئة وتقديم عروض السلام لإسرائيل، غير أن هذه السياسة أثارت انتقادات واسعة، معتبرةً أن دمشق تغامر بفقدان سيادتها على أجزاء مهمة من البلاد.
نشر موقع “ميدل إيست آي” مقالا لرئيس تحريره دافيد هيرست مع تزايد الضربات الإسرائيلية التي تستهدف مواقع عسكرية سورية، متحدثا عن تعاظم الأسئلة حول مدى قدرة النظام الجديد على حماية وحدة سوريا، وما إذا كان سيتخذ إجراءات حاسمة أم يستمر في النهج الحالي الذي يعتبره البعض “استسلامًا ضمنيًا” أمام الاحتلال الإسرائيلي.
التوسع الإسرائيلي: استراتيجية محسوبة أم مغامرة غير محسوبة؟
منذ بداية العام، قامت إسرائيل بعدد غير مسبوق من العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية، مبررة ذلك بحماية أمنها القومي ومنع “النفوذ الإيراني”، في الوقت الذي تستغل فيه حالة الضعف والانقسام في سوريا.
بدا واضحًا أن الاحتلال قد تبنى خطة بديلة تقوم على إنشاء “مناطق نفوذ” داخل سوريا، خاصة في الجنوب المحاذي للجولان المحتل، مما يمكّنه من تحقيق سيطرة شبه كاملة على هذه المناطق دون الحاجة إلى احتلالها مباشرة.
لم تكتفِ إسرائيل بتنفيذ ضربات جوية ضد المنشآت العسكرية السورية، بل بدأت في إقامة وجود عسكري طويل الأمد في مناطق استراتيجية مثل جبل الهرمل ومحيط درعا.
وفي تصريحات لافتة، أكد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي لن يسمح بعودة الجيش السوري إلى الجنوب، في خطوة تعكس بوضوح نية تل أبيب فرض واقع جديد على الأرض.
هذا الوضع يعيد إلى الأذهان النموذج الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث نجحت تل أبيب في فرض معادلة عسكرية لمصلحتها لعقود، مستفيدة من ضعف الحكومة اللبنانية آنذاك.
لكن في الحالة السورية، يبدو أن الوضع قد يكون أكثر تعقيدًا، خاصة مع وجود تركيا كلاعب إقليمي له مصالح استراتيجية في سوريا، قد تدفعه إلى التدخل.
المشهد الإقليمي والدولي: دمشق أمام خيارات صعبة
تزامنًا مع تصعيد إسرائيل العسكري، تواجه سوريا أزمات اقتصادية خانقة تجعل من قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية أمرًا معقدًا.
فقد أدى تدمير البنية التحتية خلال الحرب إلى انهيار الاقتصاد السوري، حيث يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، وتعجز الحكومة حتى عن دفع رواتب موظفيها بشكل منتظم.
ومع غياب الدعم المالي من الدول العربية مثل السعودية والإمارات، وعدم وجود أي إشارات على رفع العقوبات الدولية، تزداد الضغوط على الحكومة السورية الجديدة ما يدفعها إلى اتباع سياسة “تفادي الصدام” مع إسرائيل، رغم المخاطر المتزايدة لهذه الاستراتيجية.
من جهة أخرى، يراقب اللاعب التركي الوضع عن كثب. فقد أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع محادثات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول إمكانية إنشاء تحالف دفاعي مشترك، إلا أن التقدم في هذا الملف لا يزال بطيئًا، مقارنةً بسرعة التحركات الإسرائيلية على الأرض.
وفي تصريح لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أكد أن أنقرة تعتبر وحدة الأراضي السورية “خطًا أحمر”، محذرًا من أن أي محاولة لتقسيم سوريا، سواء من خلال التدخل الإسرائيلي أو سيطرة الأكراد، ستؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.
هذا الموقف يشير إلى احتمال تحرك تركي أكثر صرامة في حال استمر الاحتلال في فرض واقع جديد داخل سوريا.
هل تتحرك دمشق قبل فوات الأوان؟
في ظل هذا التصعيد، يبدو أن الخيارات أمام الرئيس السوري أحمد الشرع تضيق يومًا بعد يوم، فإما أن يتخذ إجراءات حاسمة لمواجهة التوغلات الإسرائيلية، سواء من خلال تعزيز التحالفات العسكرية مع تركيا أو عبر إعادة بناء الجيش السوري بأسرع وقت، وإما أن يستمر في نهج التهدئة، مما قد يفتح الباب أمام إسرائيل لتوسيع نطاق تدخلها بشكل غير مسبوق.
إن استمرار إسرائيل في عملياتها العسكرية داخل سوريا دون رد حاسم من دمشق قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على مناطق واسعة من الجنوب، وربما يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في الخريطة السياسية والعسكرية للبلاد.
فهل يستوعب النظام السوري الدرس قبل فوات الأوان، أم أن سوريا تتجه نحو مرحلة جديدة من التفكك والانقسام؟ الأيام المقبلة ستكون كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال المصيري.
اقرأ أيضًا : آدم نيومان في الرياض.. خطوة جديدة نحو التطبيع الاقتصادي بين السعودية وإسرائيل؟