مع سقوط نظام الأسد في سوريا ودخول البلاد مرحلة انتقالية مليئة بالتحديات، يحاول الاحتلال الإسرائيلي استغلال حالة عدم التوازن التي تمر بها البلاد لتعزيز خططه الرامية إلى تفتيت الدولة السورية ومنع ظهور حكومة موحدة قادرة على إعادة بناء البلاد واستعادة مكانتها الإقليمية.

وبينما تشكل هذه الاستراتيجية جزءًا من رؤية الاحتلال طويلة الأمد لإبقاء سوريا ضعيفة وممزقة، فإن أحدث تجلياتها برزت في مدينة جرمانا جنوب دمشق، حيث شهدت أحداثًا متصاعدة توحي بوجود أيادٍ خفية تحاول تحويل الخلافات المحلية إلى مواجهات طائفية ذات طابع إقليمي خطير.

وتعتبر مدينة جرمانا، التي يسكنها خليط متنوع من الدروز والمسيحيين والسنة والعلويين، موقعًا استراتيجيًا يثير اهتمام الأطراف الخارجية الراغبة في تأجيج الصراع السوري الداخلي.

وما جرى في الأيام الأخيرة داخل المدينة يعكس نمطًا متكررًا من الأزمات التي يُستغل فيها توتر داخلي بسيط لتحويله إلى أزمة وطنية تهدد الاستقرار في المنطقة بأكملها.

افتعال الأزمات وتوظيف الأقليات لضرب الاستقرار

بدأت الأزمة في جرمانا عندما اندلع شجار بين شابين من عائلة قبلان في محيط ساحة السيوف، أسفر عن إصابة أحدهما ونقله إلى مستشفى المجتهد بدمشق.

وعلى الرغم من أن الحادث بدا وكأنه خلاف عابر، إلا أن الأمور تصاعدت بسرعة بعد تدخل أصدقاء الشاب المصاب في مواجهة مع الكادر الطبي بالمستشفى، مما استدعى تدخل قوات الأمن العام التي قامت باعتقال عدد من الشباب الدروز واقتيادهم إلى مخفر الصالحية.

وعند وصول الخبر إلى مدينة جرمانا، تحركت مجموعة مسلحة من أبناء الطائفة الدرزية إلى المخفر في محاولة لإطلاق سراح المحتجزين بالقوة، الأمر الذي أدى إلى صدام مباشر مع قوات الأمن. 

ولم تكد تمر ساعات حتى تفاقمت الأزمة أكثر مع دخول قوات الأمن العام إلى مدينة جرمانا، حيث رفض أحد عناصرها تسليم سلاحه عند حاجز مدخل المدينة، مما أدى إلى اشتباك بينه وبين شباب دروز كانوا يتمسكون بتعليمات الهيئة الروحية ومشايخ جرمانا القاضية بمنع دخول أي مسلح إلى المدينة دون مهمة رسمية. 

انتهى الاشتباك بمقتل أحد عناصر الأمن العام، وهو ما أشعل فتيل الغضب وأثار موجة من التوتر داخل المدينة.

ورغم أن الحدث بدأ كخلاف محلي، إلا أن جهات مشبوهة سارعت إلى تضخيمه عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تم الترويج لروايات متضاربة تهدف إلى تأجيج الفتنة الطائفية وإثارة الحساسيات بين مختلف المكونات السورية. 

ووفقًا لمصادر محلية، فإن بعض الحسابات التي نشرت هذه الأخبار المشوهة مرتبطة بمنظمات استخباراتية خارجية، ويُرجَّح أنها تعمل بتوجيه من الاحتلال الإسرائيلي، الذي لطالما سعى إلى استغلال التنوع الطائفي في سوريا لخلق صراعات داخلية تعيق إعادة توحيد البلاد.

تحركات سريعة لاحتواء الأزمة ومنع التصعيد

مع تصاعد التوترات في جرمانا، تحركت فصائل مسلحة من محافظة السويداء، التي تضم غالبية درزية، نحو المدينة في محاولة لتطويق الأزمة واحتواء الموقف قبل أن يتحول إلى نزاع أوسع. 

ويقول زياد أبو طافش، المتحدث الإعلامي باسم فصيل “لواء الجبل”، أحد الفصائل التي شاركت في جهود التهدئة، إن ما حصل في جرمانا “كان حدثًا عرضيًا تم استثماره لاحقًا لأغراض خبيثة تسعى إلى زرع الفتنة بين مكونات المجتمع السوري”، مشيرًا إلى أن الأطراف الفاعلة في المدينة نجحت في احتواء الموقف صباح السبت.

لكن رغم الجهود المبذولة للتهدئة، تفاجأت الفصائل المحلية بانهيار الاتفاق الذي تم التوصل إليه، وذلك بعد أن قامت جهات مجهولة ببث روايات مخالفة للواقع بهدف إعادة تأجيج الخلاف، مما زاد من تعقيد الموقف. 

وبحسب مصادر داخل جرمانا، فإن التحريض جاء من جهات لديها مصلحة في تأزيم الوضع، وهو ما يتوافق مع نهج الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى إلى إبقاء سوريا غارقة في الصراعات الداخلية لضمان استمرار ضعفها وعدم قدرتها على استعادة سيادتها.

مواقف وجهاء المدينة في مواجهة الفتنة

في إطار الجهود لاحتواء الأزمة، أصدر وجهاء ومشايخ جرمانا بيانًا توضيحيًا مساء السبت، أكدوا فيه رفضهم القاطع لمحاولات استغلال الحادثة لبث الفرقة بين أبناء الوطن. 

وجاء في البيان “إن ما حدث في جرمانا أودى بحياة أحمد ديب الخطيب، وأدى إلى إصابة شخصين آخرين على يد مجموعة غوغائية لا تنتمي إلى عرفنا أو تقاليدنا”.

 كما شدد البيان على ضرورة كشف جميع ملابسات الحادث وتسليم المتورطين إلى العدالة لضمان محاسبتهم.

وأقر المجتمعون عددًا من القرارات الهامة لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث، كان أبرزها:

  1. رفع الغطاء عن جميع المسيئين والخارجين عن القانون، وتسليم كل من يثبت تورطه إلى الجهات المختصة.
  2. إعادة تفعيل مركز ناحية جرمانا بأسرع وقت ممكن، مع التأكيد على ضرورة تعيين كفاءات قادرة على إدارة الوضع بحكمة.
  3. التأكيد على أن جرمانا جزء لا يتجزأ من نسيج دمشق وسوريا ككل، وأن أي محاولة لفصلها عن محيطها ستُقابل بالرفض القاطع.
  4. محاسبة الجهات التي تعمل على تأجيج الخلافات الطائفية أو تسعى لتمرير أجندات خارجية تخدم الاحتلال الإسرائيلي وأعداء سوريا.
  5. فتح تحقيق رسمي في الحادث الذي وقع داخل مخفر الصالحية، وتحديد المسؤولين عن أي تجاوزات أمنية أو عمليات تحريض مقصودة.

تحذيرات من الاستغلال الإسرائيلي للأزمة

من جانبه، شدد المحامي أسامة الهجري، المستشار القانوني للشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، على أن هناك أطرافًا تحاول توجيه الأحداث بما يخدم أجندات معادية لسوريا. 

وأوضح الهجري أن الفتنة التي تُبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي تهدف إلى تضخيم الوقائع وتشويه الحقائق، داعيًا السوريين إلى عدم الانجرار وراء الأخبار المفبركة التي تعمل على بث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

وأضاف الهجري أن قوات الأمن العام “ليست طرفًا معاديًا”، مشيرًا إلى أن هناك جهات تحاول تصوير الأمر على أنه صراع بين الدروز والدولة، في حين أن الحقيقة مختلفة تمامًا. 

وأكد أن أي محاولات إسرائيلية لاستغلال هذه الأزمة لن تحقق أهدافها، لأن أبناء سوريا يملكون من الوعي والإدراك ما يكفي لإفشال أي مخطط يسعى لضرب وحدتهم.

سوريا أمام اختبار جديد لمناعة وحدتها الوطنية

تشكل أحداث جرمانا نموذجًا جديدًا لما يمكن أن يكون جزءًا من مخطط أوسع يهدف إلى زعزعة استقرار سوريا بعد سقوط الأسد.

ومع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في دعم الجماعات المسلحة والعملاء داخل البلاد، تبرز الحاجة الملحة لتعزيز الوحدة الوطنية وإفشال كل المحاولات التي تسعى إلى تحويل التنوع السوري إلى نقطة ضعف بدلًا من أن يكون مصدر قوة.

إن تكرار مثل هذه الأزمات في المناطق السورية المختلفة يستوجب وعيًا شعبيًا عاليًا، إضافة إلى تحركات سياسية وأمنية مدروسة، لضمان ألا تقع البلاد مجددًا في فخ التقسيم الذي يخدم الاحتلال وأعوانه.

اقرأ أيضًا : خمسة أيام حاسمة في جرمانا.. هل تنجح الحكومة السورية الجديدة في فرض سيطرتها؟