كشف تقرير داخلي مكوّن من أكثر من 100 صفحة، قُدم إلى أعضاء مجلس إدارة نيوم، كيف قام المسؤولون التنفيذيون بالتلاعب المتعمد بالأرقام لإظهار المشروع وكأنه نجاح اقتصادي على الورق. 

ووفقًا لمراجعة الصحيفة، فقد لجأ المديرون التنفيذيون، بمساعدة مستشاري ماكينزي وشركاه، إلى إدخال افتراضات غير واقعية في خطة عمل نيوم، مما أدى إلى تضخم تقديرات التكلفة دون أسس حقيقية. 

ووجد تقرير التدقيق أدلة قاطعة على تلاعب متعمد بالشؤون المالية من قبل بعض أعضاء الإدارة، الذين سعوا لإقناع ابن سلمان بجدوى المشروع، رغم أن الأرقام الحقيقية كانت تشير إلى عكس ذلك.

تشير الوثائق إلى أن التكاليف الفعلية لبناء نيوم وصلت إلى مستويات هائلة، حيث حددت مسودة عرض تقديمي لمجلس إدارة المشروع أن النفقات الرأسمالية المطلوبة حتى “المرحلة النهائية” بحلول عام 2080 ستبلغ 8.8 تريليون دولار، أي أكثر من 25 ضعف الميزانية السنوية للمملكة. 

كما قُدّرت تكلفة المرحلة الأولى بحلول 2035 بمبلغ 370 مليار دولار، وعلى الرغم من أن الدولة السعودية تمول الجزء الأكبر من التكاليف الأولية، فإن المسؤولين يعولون على مستثمري القطاع الخاص لتغطية العجز، وهو أمر يبدو غير واقعي في ظل الظروف الحالية.

عقبات البناء والتضليل في التخطيط

واجه مشروع نيوم عقبات كبيرة من حيث البنية التحتية والتكاليف، حيث يقع موقع البناء في منطقة نائية تفتقر إلى العمالة، وتفتقر إلى ميناء كبير وطرق مناسبة، فضلاً عن نقص في إمدادات الكهرباء. 

وعلاوة على ذلك، تضمنت الخطط تصميمات هندسية غير واقعية، مثل متنزه ترفيهي على ارتفاع 1000 قدم ومسارح معلقة بين البرجين المتوازيين لمشروع “ذا لاين”، وهو ما يتطلب كميات هائلة من الفولاذ والزجاج المتاح عالميًا، مما يزيد من صعوبة تحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع.

وبحسب الموظفين السابقين، لجأ المسؤولون التنفيذيون إلى تقديم تكاليف مضللة، حيث قارنوا مشروع “ذا لاين” بناطحات السحاب في الرياض، متجاهلين التحديات الفريدة التي يواجهها المشروع. 

وأراد المهندس المعماري الأصلي لـ”ذا لاين”، توم ماين، من شركة مورفوسيس، التعبير عن مخاوفه بشأن التكاليف المفرطة، لكن طلبه قوبل بالرفض من قبل المسؤولين التنفيذيين في نيوم.

التضليل الاستثماري وكشف التناقضات

استخدم المسؤولون التنفيذيون تكتيكات مختلفة لإخفاء التكاليف المتزايدة، مثل تضخيم افتراضات الأرباح. وقد شجّع ولي العهد نيوم على استخدام معدل العائد الداخلي كمقياس استثماري، وهو النسبة المئوية للعائد السنوي المتوقع على الاستثمار.

ومع ذلك، عند مراجعة مشروع “تروجينا”، وهو منتجع التزلج المخطط، تبين أن التكاليف قد ارتفعت بأكثر من 10 مليارات دولار، مما أدى إلى تراجع معدل العائد الداخلي إلى 7%، أي أقل من هدف المشروع البالغ 9%.

لتغطية هذه الفجوة، قام المسؤولون بإعادة تقييم أسعار الخدمات المقدمة، حيث ارتفع سعر الإقامة في موقع تخييم من 216 دولارًا إلى 704 دولارات في الليلة، وتم تسعير غرفة “فندق بوتيك للمشي لمسافات طويلة” بـ1,866 دولارًا في الليلة بعد أن كانت 489 دولارًا. وقد أدت هذه التعديلات إلى رفع معدل العائد الداخلي إلى 9.3%، لكن ذلك كان مجرد تلاعب رقمي وليس تحسينًا حقيقيًا في الجدوى الاقتصادية.

ووفقًا لتقرير التدقيق الداخلي، لجأ بعض المديرين إلى قمع المعارضة داخل المشروع، حيث تم فصل مدير مشروع سندالة بعد أن طعن في تقديرات التكاليف. 

كما تبين أن المسؤولين في نيوم كانوا يتجنبون ذكر التكاليف الحقيقية في الاجتماعات، حيث كتب أحد المديرين في رسالة إلكترونية إلى مستشاري ماكينزي: “يجب ألا نذكر التكاليف بشكل استباقي على الإطلاق”.

العوائق الهندسية والعجز عن تحقيق الرؤية

كان الارتفاع الهائل لمشروع “ذا لاين”، البالغ 1,640 قدمًا، أحد المحركات الرئيسية للتكاليف الباهظة. 

وأكد خبراء الهندسة والبناء أن تشييد مثل هذه الأبراج الفائقة الارتفاع يعد تحديًا صعبًا في أي مكان، فما بالك في صحراء نائية تفتقر إلى البنية التحتية الداعمة؟ وقد اقترح بعض موظفي نيوم مرارًا وتكرارًا تقليل الارتفاع إلى حوالي 1,000 قدم لتوفير التكاليف، لكن محمد بن سلمان رفض هذه الفكرة، كما ورد في محضر اجتماع مجلس الإدارة.

أما في مشروع سندالة، فلا تزال أعمال البناء متعثرة، حيث لا يزال منتجع الجزيرة غير مكتمل، وعمال المطاعم يمضون الوقت في قراءة الكتب بدلاً من خدمة الزوار، في ظل غياب الضيوف. 

كما أن ملعب الجولف والفنادق، رغم مرور أربعة أشهر على حفل الافتتاح، لم تفتح أبوابها للجمهور بعد، ما يعكس الإخفاقات التشغيلية والإدارية داخل المشروع.

هل نيوم مشروع مستقبلي أم حلم مستحيل؟

في ظل هذه التحديات والتلاعب بالأرقام، يبدو أن مشروع نيوم يواجه عقبات جوهرية تهدد بتحويله من حلم مستقبلي إلى كارثة اقتصادية. 

فبين التكاليف الباهظة، والتصاميم غير الواقعية، وغياب التخطيط العملي، يواجه ابن سلمان الآن أزمة حقيقية في تحقيق رؤيته الطموحة. 

وبالنظر إلى الأرقام الفعلية، فإن هذا المشروع قد لا يكون سوى وهم تسويقي ضخم، صنعه مسؤولون تنفيذيون سعوا لإرضاء القيادة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب الواقع الاقتصادي للمملكة.

اقرأ أيضًا : التلاعب بالاستدامة: كيف تستخدم الإمارات والسعودية “الصكوك الخضراء” لتلميع صورتها؟