بقلم سامي شحاتة

وفعلتها إسرائيل، دون اعتبارٍ لاتفاقٍ ولا وساطة، دون أدنى اكتراثٍ لوقف إطلاق النار الذي وُقِّع تحت رعاية مصرية وقطرية وأمريكية، وجاء فجر 18 مارس/آذار 2025 حاملًا معه لعنة الحرب من جديد، إذ أشعلت إسرائيل نيرانها في غزة، تقصفها بعنفٍ لا يرحم، وتمطرها بالحمم من شمالها إلى جنوبها، كأنها لم تروِ تعطشها للدمار رغم خمسة عشر شهرًا من المجازر والخراب والإبادة الجماعية.

لم يكن هذا الهجوم وليد اللحظة، بل كان تتويجًا لسلسلة طويلة من الخروقات التي مارستها إسرائيل منذ 19 يناير/كانون الثاني 2025، حين زُعِم أن اتفاق وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ، فلم تسحب قواتها، لم توقف إطلاق النار بل كانت تستهدف يوميًا المدنيين العُزل دون رحمة، لم تفرج عن الأسرى إلا بصعوبة وبعد مماطلة مذلة، ولم ترضى بالانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، بل طالبت بتمديد المرحلة الأولى دون سبب سوى الرغبة في إطالة المعاناة، أو كحجة لاستئناف الحرب.

في 2 مارس/آذار، بلغت الانتهاكات ذروتها، حين أغلقت إسرائيل المعابر تمامًا ومنعت دخول أي مساعدات إنسانية، تاركة أهالي غزة بلا طعامٍ أو ماء، يموتون جوعًا أمام أعين العالم، ليعانوا من إبادة جماعية أخرى، لكن هذه المرة بالجوع والعطش. لم يكتف الاحتلال بذلك، بل قطع الكهرباء، فتوقفت محطات المياه عن العمل، وانهارت المرافق الصحية التي لم يكن يعمل منها سوى 16% بعد حربٍ لم تبقِ حجرًا على حجر.

كل ذلك جرى تحت أنظار الحكام العرب الذين لم يفعلوا شيئًا يحفظ ماء وجههم في كتب التاريخ. لم يحاولوا الضغط لتنفيذ الاتفاق، لم يسعوا لكبح إسرائيل، بل على العكس، فتحوا لها الأجواء والحدود، وسمحوا بمرور الإمدادات بعد أن حاصر الحوثيون السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر. بل إنهم قدموا دعمهم لأمريكا، وفتحوا مجالهم الجوي للطائرات التي قصفت اليمن ردًا على الحوثيين، تلك القوة الوحيدة التي وقفت في وجه عنجهية إسرائيل وبلطجتها.

وعندما لم يعد الصمت كافيًا لإخفاء خزيهم، عقد حُكام العرب قمةً طارئة، ولكن بعد أسابيع من الانتهاكات المتواصلة، ليتوصلوا إلى لا شيء! لم تُصدر قرارات تُلزم إسرائيل بتنفيذ الاتفاق، لم تُفرض عقوبات، لم يُقدم أي دعم حقيقي لغزة، فقط بيانات جوفاء تُضاف إلى أرشيف العار العربي.

في هذه الأثناء، كان محمد بن سلمان يضخ الأموال لدعم ترامب، وكان السيسي يترك سيادة معبر رفح بيد إسرائيل، وكان ملك الأردن يشارك الإمارات في إنشاء جسرٍ بري وجوي لمدّ تل أبيب بالإمدادات، أما محمد بن زايد، فكان يستقبل قادة المستوطنين المتطرفين في بلاده قبل أيامٍ فقط من استئناف المجازر، وكأنه يمنحهم مباركته العلنية!

استئناف الحرب علامة فارقة في سجل العجز والخيانة… غزة التي وقفت وحدها في وجه آلة الحرب، لم تهزمها القذائف، بل خذلان القريب قبل البعيد. الحكام الذين جلسوا في قصورهم الفاخرة، راقبوا بصمتٍ مدينة تُمحى، وشعبًا يُباد، ثم تظاهروا بالعجز، وكأنهم لا يملكون سوى الكلمات الفارغة. لكن الشعوب لا تنسى، والتاريخ لا يرحم، وسيأتي يوم تُحاسب فيه الأمة من فرّطوا في عزّها وسلّموا مفاتيحها لأعدائها.

أي خيبةٍ هذه؟ وأي عار أشدُّ من هذا؟ إذا كان هذا هو موقف الحكام العرب اليوم، فحقًا… خيبات يا عرب خيبات!