في مشهد تتقاطع فيه الدبلوماسية مع أزيز الطائرات المسيّرة، شهدت العاصمة الأوكرانية كييف هجوماً عنيفاً بطائرات انتحارية، وذلك قبل ساعات من انطلاق محادثات مرتقبة تستضيفها المملكة العربية السعودية بين وفود أميركية وروسية وأوكرانية. 

وبينما تتساقط الشظايا على الأحياء السكنية في دنيبرو، كانت الرياض تستعد للظهور بمظهر “الوسيط النزيه” في واحدة من أعقد أزمات العالم، محاولة غسل سجلها الحقوقي الملطخ، وعلى رأسه جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

هجوم منظم يسبق الدبلوماسية: كييف تحت النيران

 

مع الساعات الأولى من صباح الأحد، دوّت سلسلة انفجارات في سماء كييف ناتجة عن هجوم بمسيّرات انتحارية روسية، تزامناً مع استنفار الدفاعات الجوية الأوكرانية لمحاولة صدّ الهجوم المتكرر. 

وأفاد مراسلو الجزيرة وشهود عيان من وكالة رويترز بسماع دويّ انفجارات متلاحقة، فيما أكدت السلطات المحلية سقوط مسيّرات على مبنيين مرتفعين، أحدهما سكني، في حي دنيبرو، ما أدى إلى اندلاع حرائق في أكثر من منطقة في العاصمة.

رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو دعا السكان لالتزام الملاجئ، مشيراً إلى عدم وجود إصابات مؤكدة حتى اللحظة، في حين استمرت صافرات الإنذار في التحذير من موجات قصف جديدة. في المقابل، أعلنت السلطات الروسية مقتل شخص داخل سيارته في منطقة روستوف الجنوبية، جراء سقوط مسيّرة، في تصعيد متبادل يزيد من ضبابية المشهد الميداني.

السعودية وسيط سلام أم متورطة تبحث عن غطاء؟

 

على وقع التصعيد العسكري، تتجه الأنظار إلى الرياض حيث من المقرر أن تستضيف اجتماعات دبلوماسية غير مباشرة بين الوفود الأميركية والروسية والأوكرانية، بقيادة آندرو بيك من مجلس الأمن القومي الأميركي، ومايكل أنطون من وزارة الخارجية.

وتأتي هذه المحادثات وسط مساعٍ سعودية لتقديم نفسها كوسيط دولي فاعل، يحظى بثقة الأطراف الكبرى، في محاولة لتلميع صورتها أمام المجتمع الدولي.

لكن هذا الدور “الوسيط” يصطدم بسجل السعودية الحقوقي المتدهور، خاصة بعد تورطها في جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018، وهي الجريمة التي أججت الانتقادات الغربية وأعادت فتح ملفات القمع والانتهاكات داخل المملكة. 

كما تُتهم الرياض بممارسة القمع المنهجي ضد المعارضين ونشطاء حقوق الإنسان، ما يجعل من استضافتها لمحادثات سلام خطوة مثيرة للجدل أكثر من كونها إنجازًا دبلوماسيًا.

الهدنة الهشة

 

في خضم هذه الأحداث، ظهر توافق أميركي روسي، بوساطة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، على وقف مؤقت لاستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، لمدة 30 يومًا، في محاولة لفتح نافذة دبلوماسية نحو تسوية جزئية. 

وقد وافق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبدئيًا على وقف جزئي لإطلاق النار على بعض المنشآت الحيوية، بشرط تحديد المواقع المشمولة بالاتفاق، وسط توقعات بأن يشكل هذا الاتفاق أرضية لاجتماعات الرياض.

وكان زيلينسكي قد التقى كبار القادة العسكريين في منطقة دونيتسك قبيل المحادثات، وظهر معهم في مدينة خاركيف التي تعرّضت مراراً لهجمات روسية، مؤكدًا على ضرورة الاستعداد لأي سيناريو ميداني حتى في ظل المفاوضات.

ويشير مراقبون إلى أن هدنة الطاقة قد تكون “مسكنًا سياسيًا” لا أكثر، وأن نجاحها يتوقف على مدى جدية موسكو وواشنطن في تقديم تنازلات متبادلة.

صورة الرياض بين الواقع والمظهر


في حين تتجه السعودية نحو تصدّر مشهد الوساطة الدولية، يبقى التساؤل مفتوحًا: هل تسعى الرياض فعلاً إلى لعب دور دبلوماسي نزيه في الأزمة الأوكرانية، أم أن الأمر لا يتعدى محاولات تلميع صورة دولية شابتها جرائم وانتهاكات يصعب نسيانها؟ فمهما ارتفعت قاعات الاجتماعات في الرياض، سيبقى صوت خاشقجي في أذهان العالم، يذكّر بأن طريق السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، حيث لا يُقتل الصحفيون، ولا يُسجن المعارضون، ولا يُكمم صوت الشعب.

اقرأ أيضًا : ويتكوف: مصر على حافة الانهيار، والسعودية في مهب الغضب الشعبي