في خطوة وُصفت بأنها “استسلام سياسي وتاريخي”، كشف موقع ميدل إيست آي البريطاني أن السلطة الفلسطينية رضخت لضغوط أمريكية مكثفة، وتراجعت عن دعم مشروع قرار كان سيُشكّل نقطة تحوّل في مسار محاسبة إسرائيل على جرائمها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصًا في قطاع غزة.

القرار، الذي طُرح في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، كان يتضمن بندًا يدعو إلى إنشاء آلية دولية رسمية للتحقيق في جرائم الحرب، مشابهة لتلك التي أُقرت سابقًا في قضايا سوريا وميانمار، لكن النسخة النهائية جاءت مخففة ومفرغة من مضمونها، بعد تدخل أمريكي مباشر وضغط على السلطة.

◾️ تلاعب لغوي أم خيانة قانونية؟

وفق مصادر دبلوماسية أمريكية وأوروبية، فإن واشنطن تمكنت من إقناع السلطة الفلسطينية بتعديل صيغة القرار لتتحول من “إنشاء آلية دولية للمساءلة”، إلى مجرد دعوة “للجمعية العامة للنظر في إنشائها”، مع حذف التفاصيل الجوهرية المتعلقة بعمل اللجنة وتفويضها.

هذا التحوّل، الذي يبدو بسيطًا على المستوى الصياغي، يحمل انعكاسات قانونية وسياسية خطيرة؛ إذ يُسهم في إضعاف المسار الدولي لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، ويمنح تل أبيب فسحة جديدة للهروب من العقاب، خصوصًا في ظل التراخي الغربي والإفلات المستمر من المساءلة.

◾️ خنوع رسمي مقابل دماء غزة

التوقيت الذي تم فيه هذا التراجع لا يخلو من رمزية دامغة: فبينما يُدفن الشهداء يوميًا في غزة جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل، وترتكب قوات الاحتلال جرائم موثقة أمام الكاميرات بحق المدنيين، تختار السلطة الفلسطينية – مرة أخرى – أن تقف إلى جانب المعتدي بدلًا من الضحية.

هذا الانحياز المكشوف يُضاف إلى سجل طويل من التواطؤ السياسي الذي تمارسه قيادة رام الله، التي باتت تمثّل مصالحها في البقاء أكثر مما تمثّل تطلعات شعبها، خصوصًا بعد أن حوّلت المؤسسات الدبلوماسية الفلسطينية إلى أدوات وظيفية تخدم “توازنات” مع الاحتلال بدلًا من أن تكون صوتًا لضحايا العدوان.

القرار المعدّل لا يُضعف فقط أدوات النضال القانوني الفلسطيني، بل يوجّه أيضًا رسالة خطيرة للمجتمع الدولي مفادها أن القيادة الفلسطينية ليست جادة في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، مما قد يُضعف أي جهد شعبي أو دولي مستقبلي في هذا الاتجاه.

◾️ واشنطن.. شريك مباشر في تقويض العدالة

من جهة أخرى، تؤكد هذه التطورات مجددًا أن الولايات المتحدة لا تكتفي فقط بدعم إسرائيل عسكريًا وماليًا وسياسيًا، بل تمارس أيضًا ضغوطًا على شركائها من أجل عرقلة أي تحرك أممي لمحاسبة الاحتلال.

إن نجاح واشنطن في ثني السلطة الفلسطينية عن المضي قدمًا في مشروع القرار، يبرز قدرتها على تحويل المسارات القانونية إلى أدوات تفاوض سياسي منحاز، ويُعيد التأكيد على أن البيت الأبيض ليس وسيطًا نزيهًا، بل جزء من شبكة الحماية التي تُمنح لإسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين.

◾️ السلطة الفلسطينية.. من تمثيل الشعب إلى تيسير الإفلات من العقاب

السلطة الفلسطينية، التي يفترض بها أن تكون ممثلة للشعب الفلسطيني في المنابر الدولية، تبدو اليوم أقرب إلى تمثيل الاحتلال في المحافل الحقوقية. فقد تكررت مواقفها المتخاذلة، من تأجيل ملفات محكمة الجنايات الدولية، إلى التنسيق الأمني مع الاحتلال، إلى هذا التراجع المدوي في مجلس حقوق الإنسان.

وفي الوقت الذي يرتقي فيه آلاف الفلسطينيين في غزة تحت القصف، وتُدفن العائلات كاملة تحت الأنقاض، تختار القيادة الفلسطينية ألا تُحرّك المسار القانوني، بل وتُضعفه بإرادتها، وهو ما يعتبره مراقبون خيانة سياسية صارخة لدماء الضحايا.

رام الله لم تعد تمثل فلسطين، بل تمثل مصالحها الضيقة في البقاء، ولو على حساب العدالة والمحاسبة، أما واشنطن، فتمضي في هندسة قرارات الأمم المتحدة بما يخدم إسرائيل ويطعن غزة.

اقرأ أيضا: الإثنين يوم كرامة للأمة.. إضراب شامل نصرةً لغزة والمسؤولية على عاتق شعوب العرب