رفضت السلطات الأمريكية الإفراج المؤقت عن الناشط الفلسطيني محمود خليل، المحتجز في مركز للهجرة، رغم طلبٍ رسمي للسماح له بحضور ولادة ابنه الأول في نيويورك.
وفي مشهد أثار استياء واسعا بين منظمات حقوق الإنسان، وُضِعت ولادة طفلٍ جديد في كفة، وسياسة “قمعية بامتياز” في الكفة الأخرى.
القصة المؤلمة لم تكن فقط عن رجل مُنع من معانقة ابنه، بل عن نظام يصرّ على استخدام القوانين كأداة لترهيب الأصوات المناصرة لفلسطين، في مشهد يُعيد إلى الأذهان سياسات ترامب الأكثر قسوة، والتي ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على إدارة الرئيس جو بايدن.

مأساة أسرة ضحيتها القانون الأمريكي
نور عبد الله، زوجة محمود خليل، لم تجد أمامها سوى الحديث للإعلام، علّ صوتها يصل إلى ضمير حيّ داخل مؤسسات الهجرة، ولكن دون جدوى. قالت بصوت مخنوق بالخذلان: “لا ينبغي لي ولابني أن نقضي أيامنا الأولى على الأرض دون محمود، لقد سُرِقت منّا لحظة لا تُعوض”. مناشدتها جاءت بعد أن رُفض طلب قدمه محامو خليل للإفراج عنه أسبوعين فقط، مع قبولهم لجميع الشروط الأمنية: جهاز تتبع، تحديد موقع، تسجيل حضور.
إدارة الهجرة رفضت الطلب برسالة من جملتين فقط، وكأنها تؤكد أن الجانب الإنساني لا مكان له في قراراتها. وبينما لم يُوجَّه لخليل أي اتهام جنائي، فإن اتهامه القديم – والفضفاض – بـ”دعم حماس”، لا يزال يُستخدم مبررًا لاستمرار احتجازه، في إطار حملة ممنهجة تستهدف النشطاء المؤيدين لفلسطين، دون تقديم أدلة قانونية مقنعة.
ما وراء السجن: قمع أمريكي ممنهج لداعمي فلسطين
اعتقال خليل، الذي تم خارج مسكنه في جامعة كولومبيا، حيث كان يعيش مع زوجته الحامل، ليس حالة فردية، بل جزء من سياسة أوسع اتبعتها إدارة ترامب وتواصلت بأشكال مختلفة تحت إدارة بايدن. فالقصة لا تتعلق فقط بـ”ملف مهاجر” بل بناشط سياسي معروف بمواقفه الداعمة لفلسطين ورفضه للاحتلال الإسرائيلي، وهي مواقف جعلته عرضة لاستهداف أمني تحت مسمى “التهديد”.
وفي حين تبقى إسرائيل – الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة – فوق أي مساءلة، فإن من يدافع عن حق الفلسطينيين في الحرية يُعامل كعدو داخلي. خليل، لم يُمنع فقط من حضن طفله، بل يُراد له أن يكون عبرة لكل من يرفع صوته من داخل أمريكا دعمًا لقضية فلسطين.
قضية ترحيل خليل التي أصدرت بها قاضية الهجرة حكما مؤخرًا، ويستأنفها فريقه القانوني حاليًا، تكشف الوجه الآخر “الليبرالي المزيّف” لإدارة بايدن، التي وإن تظاهرت بتغيير نهج ترامب، لا تزال تنفذ عمليًا سياسات عدائية ضد مؤيدي القضية الفلسطينية، ربما خوفًا من اللوبيات الضاغطة أو تواطؤًا مع خطاب رسمي يعتبر التضامن مع فلسطين تهديدًا للأمن القومي.
ردود الأفعال: منظمات حقوقية تندد بالصمت الرسمي
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تصدر وزارة الأمن الداخلي ولا إدارة الهجرة أي توضيحات، وسط مطالبات من مؤسسات حقوقية بوقف ما سمّوه “الاحتجاز التعسفي القائم على خلفية سياسية”. مركز الحقوق الدستورية (CCR) ومنظمات أخرى قالت إن ما يحدث مع خليل “انتهاك صارخ للحق في الحياة الأسرية والحرية الشخصية، ويكشف عن عنصرية مموهة تحت غطاء الأمن”.
ويجدر التذكير أن هذه ليست المرة الأولى التي يُستخدم فيها قانون الهجرة كسلاح سياسي ضد النشطاء العرب والمسلمين. لكنها من المرات القليلة التي تتحول فيها ولادة طفل إلى ملف سياسي، يتدخل فيه الأمن والإعلام والقضاء في آنٍ واحد.
أمريكا التي تُصدّر خطاب “حقوق الإنسان” تحرم طفلًا من حضن أبيه
قضية محمود خليل ليست مجرد مأساة شخصية، بل مرآة لسياسات أمريكية ازدواجية. كيف لدولة تتشدق بالحريات أن تمنع رجلًا من رؤية مولوده؟ وكيف لعدالة تدعي الاستقلال أن تخضع لمعايير سياسية لا أخلاقية؟
ربما سيتربى الطفل في أحضان أمه، ويتعلم لاحقًا أن أباه لم يُغِبْه الموت ولا الغياب الإرادي، بل غيّبته دولة تخاف من كلمة “فلسطين”، وتطارد كل من يرفع علمها ولو بالكلمة.
سيظل محمود خلف القضبان، إلى أن تنتصر العدالة على السياسة، أو إلى أن يولد وعي جديد في الولايات المتحدة يرفض هذه السياسات، ويعيد للإنسان كرامته، مهما كانت جنسيته أو قضيته.
اقرأ أيضًا : المقاومة تُحدث شرخًا داخليًا.. احتجاجات الأسرى تربك حسابات نتنياهو