في إطار سلسلة من أربعة أجزاء نكشف فيها المستور حول تركي آل الشيخ، استنادًا إلى تحقيق استقصائي موسع نشره قسم “ذا أثليتك” التابع لصحيفة “نيويورك تايمز”، نسلط الضوء على الوجه الحقيقي للرجل الذي يستخدم أموال الترفيه لشراء النفوذ العالمي وتلميع صورة النظام السعودي القمعي. يتناول هذا الجزء جانبًا مظلمًا من سيرة آل الشيخ، حيث يكشف كيف حوّل سجن الحائر في الرياض إلى مسرح لإسكات المنتقدين من خلال ما يعرف بين المعتقلين بـ”جناح توتو”، المخصص لضحاياه ممن تجرأوا فقط على كتابة تغريدة أو تعليق ناقد.

بينما كان تركي آل الشيخ يعقد الصفقات ويستعرض قوته في قاعات الملاكمة المذهبة، كانت اليد الأخرى للنظام الذي يمثله تمارس أقذر أشكال القمع بعيدًا عن الأضواء. ففي المملكة التي يحكمها القمع والسكوت المفروض، يتحول مجرد نقد لمسؤول نافذ إلى حكم بالسجن. تحت هذا النظام، ولد ما يعرف داخل أسوار سجن الحائر بـ”جناح توتو”، الاسم الذي أطلقه المعتقلون على القسم الذي خُصص للضحايا الذين تجرؤوا فقط على انتقاد تركي آل الشيخ، أو حتى التعليق بشكل عابر على قراراته. “يقال إن الذهاب إلى سجن الحائر يعني الذهاب خلف الشمس”، هكذا وصف أحد المعتقلين السابقين هذا المصير، مضيفًا: “سمعت هذا القول منذ طفولتي، وحين وصلت إلى هناك، فهمت معناه. من يدخل الحائر، كأنه قد اختفى من الوجود.”

بُني سجن الحائر في قلب الصحراء على بعد 25 ميلًا جنوب الرياض، وتكتنفه السرية التامة، لكنه رغم كل ذلك يحمل في طياته قصصًا تقشعر لها الأبدان عن الظلم والقمع. وداخل هذا الجحيم، تميز جناح خاص بضحايا تركي آل الشيخ، أولئك الذين لم يرتكبوا جريمة سوى كتابة تغريدة أو نشر تعليق ساخر عن مباراة لكرة القدم أو انتقاد قرار يتعلق بالترفيه. أحد المعتقلين السابقين تحدث لـ”ذا أثليتك” عن صديق له اعتُقل لمجرد أنه رد على تغريدة لتركي آل الشيخ متهكمًا على خسارة فريقه المفضل، ليجد نفسه بعدها بين جدران الحائر، دون أن تكون له أي علاقة بالسياسة أو المعارضة.

تفاوتت الروايات حول مدى تورط تركي آل الشيخ بشكل شخصي في هذه الحملات القمعية، إلا أن جميع الشهادات أجمعت على أن الأوامر كانت تمر من دائرته المباشرة، حيث يعمل تحت إمرته جيش كامل من المساعدين المتلهفين لإثبات ولائهم عبر اجتثاث أي صوت ناقد مهما صغر. إلا أن بعض المصادر ذهبت إلى أبعد من ذلك، مؤكدين أن آل الشيخ بنفسه كان يتدخل أحيانًا بشكل مباشر في الإيقاع بمنتقديه.

عبد الله العودة، الباحث منظمة الديمقراطية للعالم العربي الآن، والذي يعمل منذ سنوات على توثيق قضايا الاعتقال السياسي في السعودية، أكد لـ”ذا أثليتك” أن المركز تحقق شخصيًا من ملفات أكثر من عشر حالات موثقة لمعتقلين كانت جريمتهم الوحيدة انتقاد تركي آل الشيخ، لا انتقاد الحكومة أو ولي العهد. ووفقًا للعودة، فإن غالبية هؤلاء المعتقلين لم يتطرقوا إلى قضايا سياسية، بل انتقدوا سياسات الترفيه أو قرارات رياضية لا أكثر، ومع ذلك زُج بهم في السجون وكأنهم ارتكبوا خيانة عظمى.

واحدة من القصص التي وثقها التحقيق تثير الغضب والسخرية معًا: رجل سعودي تلقى اتصالًا من رقم مجهول عرّف المتصل نفسه بأنه من جهاز أمن الدولة، وأمره بالمجيء إلى موقع عام. هناك تم اختطافه من قبل رجال ملثمين، ليُحشر في سيارة سوداء، مقيّد اليدين ومعصوب العينين، ويُنقل إلى الرياض. وعندما فُكّت العصابة عن عينيه، فوجئ بوجود تركي آل الشيخ شخصيًا في غرفة فخمة، يسأله: “لماذا انتقدتني على تويتر؟”، وكان هذا الرجل مجرد هاوٍ لكرة القدم لديه بضع مئات من المتابعين. تعرض الرجل للصفع على وجهه ثلاث مرات على يد آل الشيخ نفسه، قبل أن يؤمر بحذف التغريدة فورًا، مهددًا إياه بالسجن إن لم ينفذ الأمر، ثم رُمي في منتصف الطريق السريع ليجد طريقه بنفسه إلى منزله.

التحقيق نقل عن عبد الله العودة أن النظام السعودي يسمح بمثل هذه الممارسات الوحشية لأن لا وجود حقيقي لدولة قانون، بل نظام فردي مطلق، يحكمه المزاج الشخصي لمن بيدهم السلطة. وأكد العودة أن هناك حالتين موثقتين حاول فيهما آل الشيخ دفع مبالغ مالية للمعتقلين مقابل صمتهم وعدم فضح ما جرى لهم.

الممارسات القمعية امتدت لتشمل كافة فئات المجتمع، ففي سبتمبر/أيلول 2019، تم اعتقال الداعية الإسلامي المعروف عمر المقبل، فقط لأنه انتقد بشكل علني أن سياسات هيئة الترفيه برئاسة آل الشيخ تهدد الهوية الثقافية والدينية للسعودية. ورغم أن مدة سجنه قد انتهت، إلا أن السلطات ترفض الإفراج عنه حتى اليوم. وفي أكتوبر من نفس العام، تم سجن الشيخ القبلي فيصل بن سلطان بن حميد لمدة خمسة أشهر، بعدما غرّد منتقدًا بعض قرارات آل الشيخ المتعلقة بالرياضة.

هذه القصص ليست استثناءً ولا حوادث فردية. بل هي مجرد نماذج صغيرة من آلة قمع ضخمة يتحكم بها رجل واحد لا يتورع عن ملاحقة كل من يجرؤ على انتقاده، ولو بكلمة، في الداخل والخارج.

وهكذا، بينما كان تركي آل الشيخ ينصب نفسه سيدًا على ساحات الملاكمة العالمية، كان يشيّد في الخفاء أجنحة للرعب في سجون بلاده، يسكنها المغردون والمثقفون والعشاق العاديون لكرة القدم…

يُتبع>>