قبل أيام أصدر محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، قرارًا بتعيين حسين الشيخ نائبًا له في رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، في قرار ليس عابرًا أو مجرد ترتيب داخلي، بل خطوة محسوبة لضمان طمس جريمة اغتيال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وحماية المتورطين فيها من أي مساءلة، في مقدمتهم محمود عباس نفسه، الذي اختار حسين الشيخ لتولي القيادة بعده، رغم أن الوثائق المسربة من محاضر لجنة التحقيق الرسمية في اغتيال عرفات تُثبت تورطهما معًا في تسهيل الجريمة والتغطية عليها. تكمن خطورة التعيين في أن بعض المتهمين في جريمة الاغتيال لا يزالون حتى اليوم أعضاءً في اللجنة التنفيذية للمنظمة، وكانوا جزءًا من الهيئة التي وافقت على تنصيب حسين الشيخ، ما يعني أن الجريمة مستمرة، وأن أدوات تنفيذها هي نفسها من يدير المشهد الفلسطيني اليوم.

الوثائق التي نشرتها قناة “أيقونة الثورة” قبل حوالي عامين تضم محاضر رسمية من لجنة التحقيق، بقيادة اللواء توفيق الطيراوي، وتضم أسماء المتورطين بشكل مباشر، وتفاصيل مسار الجريمة، بدءًا من لحظة إدخال طبيب الأسنان سعيد درّس إلى المقاطعة بتنسيق من ابن خاله حسين الشيخ، إلى عملية خلع ضرس العقل لياسر عرفات، ثم اختفاء الضرس، ثم اغتيال الطبيب نفسه في ظروف غامضة بعد أن أعلن نيته كشف ما حدث. كما أكدت الوثائق أن حسين الشيخ لم يكن مجرد وسيط لتنفيذ الجريمة، بل شريك مباشر، حيث عمل على ترتيب دخول الطبيب رغم وجود أطباء خاصين للرئيس، ثم أخفى الملف الطبي له بعد مقتله، وساهم في مسح آثار الجريمة من مسرح الحادث.

تقرير الطب العدلي أكد أن سعيد درّس تعرض للضرب المبرح، خاصة على الرأس والخصيتين، وأن إصاباته لا يمكن أن تكون طبيعية، بل ناتجة عن اعتداء متعمد أدى للوفاة، وبحسب زوجة الطبيب، نجوى ناصر، فإن زوجها قرر الاعتراف بكل شيء وكان يستعد للظهور الإعلامي لفضح التفاصيل، لكنه قُتل في ظروف غامضة قبل أن ينطق بكلمة، وبعدها اختفى الملف الطبي من المستشفى، ولم تفتح السلطة أي تحقيق في مقتله، بل عملت على طمس القضية بالكامل.

لجنة التحقيق في وفاة ياسر عرفات، التي ضمت شخصيات بارزة في حركة فتح، استدعت مئات الشهود وأجرت آلاف الساعات من التحقيقات، وتوصلت إلى أن عرفات لم يمت بشكل طبيعي، بل تم اغتياله تدريجيًا بالسم، وهو ما كان يؤكد عليه اللواء الطيراوي في أكثر من مناسبة، أن عرفات تعرض لتسميم ممنهج، وأن الأدلة تشير إلى تورط مباشر من داخل القيادة الفلسطينية.

بالإضافة إلى ذلك فإن الإفادات المسجلة تثبت أن محمود عباس كان يعلم بما يحدث، وسمح بإدخال المعدات الطبية دون رقابة، ولم يتجاوب مع لجنة التحقيق، بل عرقل عملها ورفض تدويل الملف، ولم يقدمه إلى المحكمة الجنائية الدولية.

الجدير بالذكر أن من بين أعضاء اللجنة التنفيذية التي وافقت على تعيين حسين الشيخ، هناك من ذُكرت أسماؤهم في ملفات التحقيق، ومن وُصفوا بالتقصير والتواطؤ، ومن شاركوا في “عمارة العار” حيث كانت تُعقد اجتماعات عباس ورجاله للتخطيط لعزل عرفات تحت رعاية أمريكية – إسرائيلية، مثل رمزي خوري. هؤلاء هم من انتخبوا حسين الشيخ، وهم من سيواصلون حماية بعضهم، وهم من يقودون ما تبقى من السلطة التي تحولت إلى ملاذ للخونة.

وبعد تولي محمود عباس زمام الأمور، لم يُحاسب المتورطين في الجريمة، بل تمت ترقيتهم وتثبيتهم في مواقعهم القيادية في الدولة، فحسين الشيخ بعد أن كان أمينًا للسر، اليوم أصبح نائب رئيس المنظمة، ورمزي خوري عضو دائم في اللجنة التنفيذية، رغم أن الوثائق تثبت تورطه في إدخال أدوات الأسنان وإخفاء ضرس عرفات. يوسف العبد الله، فايز حماد، وسعيد زهران أبو السعود لا يزالون يتنقلون في مفاصل السلطة رغم إدانتهم بالتقصير في حماية عرفات، والإهمال، والتواطؤ، والعلاقة المشبوهة مع الاحتلال.

حسين الشيخ لم يكن يومًا مسؤولًا وطنيًا، بل رجل الاحتلال الأول في رام الله، كما وصفه مسؤول أمني إسرائيلي بارز قبل عامين، وهو كذلك الوجه العلني للتنسيق الأمني، والذراع التنفيذية لسياسات الاحتلال داخل مؤسسات السلطة، كما أن علاقته الوثيقة بشبكات الفساد الاقتصادي، وعلى رأسها شراكته مع تاجر المخدرات غاندي جابر، تكشف أن مشروعه السياسي ليس أكثر من واجهة لتحالفات أمنية ومالية ملوثة، تخدم الاحتلال وتدمر ما تبقى من القضية الفلسطينية. غاندي جابر، المطلوب للعدالة الأمريكية، هو نفسه صاحب مشروع “آيكون مول” الذي افتُتح وسط الرقص والغناء في رام الله بينما كانت غزة تذبح تحت القصف، وهو المشروع الذي حظي بدعم مباشر من حسين الشيخ.

تعيين رجل بهذه الخلفية في موقع الرجل الثاني في المنظمة، لم يكن لولا ضمان عباس بأن الشيخ لن يفتح ملفات الماضي، بل سيحرسها كما حرسها من قبله. من سهّل دخول الطبيب، وساهم في إخفاء الضرس، ومارس التحريض ضد عرفات، وحمَى القتلة، لا يمكن أن يكون صدفة في قمة الهرم السياسي، بل هو الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة بدأت منذ الحصار في المقاطعة، مرورًا باغتيال أبو عمار، وانتهاءً بإعادة توزيع المناصب على المتورطين. السلطة لم تكتفِ بالتواطؤ، بل منحت الشرعية السياسية لمن خطط، ونفّذ، وسكت، ودافع، وحمى.

اليوم، وبعد أن ثبتت الأدلة، وتكاملت الأسماء، واتضحت خيوط المؤامرة، لا يمكن اعتبار تعيين حسين الشيخ سوى خطوة في مسلسل التغطية على الجريمة. من قتل الزعيم الفلسطيني أو شارك أو سكت أو تستر، صار هو من يرسم خريطة المرحلة المقبلة. ومن بقي ساكتًا اليوم، إنما يشارك بصمته في تكريس جريمة لا تزال مستمرة منذ لحظة إدخال طبيب الأسنان إلى المقاطعة وحتى لحظة إعلان خلافة حسين الشيخ.

للاطلاع على الوثائق كاملة اضغط هنا