في بيانٍ يفيض بالزهو والتزييف، عبّرت بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة عن “غبطتها” إزاء التقرير النهائي للجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن بشأن الوضع في السودان، وهو التقرير الذي وصفته صحيفة الغارديان البريطانية بوضوح بأنه “فضيحة” لفراغه من أي مضمون حقيقي يفضح تورط أبوظبي في دعم مليشيات الإبادة الجماعية، وعلى رأسها قوات الدعم السريع.
لكن خلف هذا البيان البراق تختبئ حقائق دامغة، وثّقتها النسخ السابقة للتقرير، وأكدتها مئات الوثائق والشهادات، عن دور الإمارات التخريبي في السودان، والذي امتد إلى تسليح المليشيات، وتجنيد المرتزقة، وتمويل الفوضى، وتدمير المؤسسات.

تقرير 2023 وشهادة الارتباط الدموي
على عكس النسخة النهائية “الممسوخة”، فصّل تقرير لجنة خبراء مجلس الأمن لعام 2023 تورط أبوظبي بعمق في دعم مليشيا الدعم السريع.
حيث كشف التقرير كيف استخدمت الإمارات مطارات دول أفريقية مثل يوغندا وكينيا وتشاد، بالإضافة إلى قواعد في شرق ليبيا، لتوصيل شحنات سلاح ومعدات عسكرية إلى المليشيا.
ووفق التحقيقات، فإن الإمارات لعبت دورًا محوريًا في تنظيم شبكة من الرحلات الجوية التجارية والخاصة التي تم فيها شحن الأسلحة والمقاتلين من دول مختلفة، مما شكل خرقًا صارخًا لحظر الأسلحة المفروض على السودان.
كما أشار التقرير إلى أدلة قاطعة بوجود معدات عسكرية إماراتية وأوروبية وأميركية في مناطق كانت تحت سيطرة الدعم السريع، كولاية الجزيرة وسنار وأجزاء من الخرطوم.
هذه المعدات شملت منظومات تشويش وأجهزة اتصالات عسكرية متقدمة ومسيرات صينية لا تمتلكها سوى الجيوش النظامية. كل هذه المؤشرات تؤكد أن أبوظبي لم تكن داعمًا هامشيًا، بل كانت عرّابًا لوجستيًا وعسكريًا كاملاً لقوة ارتكبت انتهاكات مروعة ضد المدنيين.
طمس الأدلة.. وسقوط أخلاقي في نيويورك
رغم وضوح الأدلة، نجحت الإمارات من خلال ضغوطها الدبلوماسية والمالية في “تنظيف” النسخة النهائية من التقرير، وإفراغها من أي إشارات مباشرة لتورطها. ويُعد هذا التلاعب فضيحة متعددة الأبعاد: أخلاقية، قانونية، وسياسية.
إذ بات واضحًا أن الإمارات لا تستخدم فقط أسلحتها في الخرطوم، بل كذلك أدوات نفوذها في نيويورك وجنيف ولاهاي لتبييض سجلها الإجرامي، والهروب من أي مساءلة دولية.
وقد لعبت شخصيات نافذة مثل أنور قرقاش، المستشار السياسي لرئيس الإمارات، دورًا رئيسيًا في محاولة قلب الحقائق.
فبدلًا من الرد على الاتهامات، وجّه قرقاش أصابع الاتهام نحو الجيش السوداني، زاعمًا أنه ينشر “حملة تضليل”، ومتهمًا إياه باستخدام أسلحة كيميائية، في اتهام خبيث يفقد أي سند واقعي، خصوصًا أن السودان منتخب حديثًا لعضوية المكتب التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وهو موقع لا يُمنح لدول مشكوك في امتثالها لاتفاقيات الأسلحة المحظورة.
تقرير مجلس الأمن النهائي حول السودان يفضح انتهاكات الأطراف المتحاربة بحق المدنيين ويدحض مزاعم الجيش السوداني الباطلة ضد الإمارات، في حملة تضليل ممنهجة تهدف للتنصل من المسؤولية.
نجدد دعوتنا لوقف الحرب فورًا دون شروط، والانخراط الجاد في محادثات السلام، وتسهيل المساعدات الإنسانية،… pic.twitter.com/tpp0UCNUyU
— د. أنور قرقاش (@AnwarGargash) April 29, 2025
من دعم الاسترقاق إلى الإبادة.. سجل الإمارات الأسود
منذ بداية الحرب في السودان في أبريل 2023، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في دعم مليشيا الدعم السريع، والتي اتُهمت بارتكاب جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية، والاغتصاب الجماعي، والقتل على الهوية، والنهب المنظم.
وفي مدن مثل الجنينة ونيالا وكسلا، كانت بصمات الإمارات واضحة في تسليح المليشيا وتحريكها نحو أهداف استراتيجية، في محاولة لضرب العمق السيادي للسودان، وتحويل البلاد إلى منطقة نفوذ تتبع لأجندة أبوظبي التوسعية في أفريقيا.
وتشير تقارير موثقة إلى أن المليشيا المدعومة من الإمارات استخدمت أساليب استرقاق جنسي بحق النساء والفتيات، وجرى اختطافهن إلى مناطق بعيدة لإخضاعهن للعنف والاستغلال.
هذه الجرائم تكررت في مناطق النزاع وخصوصًا في دارفور وولاية الخرطوم، وتركت آثارًا نفسية واجتماعية مدمّرة لعشرات الآلاف من الأسر.
تزييف الصورة وتشويه الخصوم
في مواجهة الفضيحة، لجأت أبوظبي إلى استراتيجية كلاسيكية: تزييف الصورة وتشويه الخصوم.
فبدلًا من التعامل مع الحقائق، بدأت حملة دبلوماسية وإعلامية لتصوير الجيش السوداني كـ”فاعل الشر”، متهمة إياه باستخدام الكيماوي، رغم غياب أي دليل واقعي، بل وتناقض هذه الادعاءات مع تصويت المجتمع الدولي لصالح السودان في منظمة OPCW.
كما حاولت الإمارات في بيانها الذي صدر من بعثتها في الأمم المتحدة، أن تظهر كدولة “داعية للسلام”، مطالبة بـ”وقف الحرب دون شروط” و”تشكيل حكومة مدنية مستقلة”، في خطاب يتناقض تمامًا مع أفعالها على الأرض، ودورها الرئيسي في تأجيج الصراع، وتمزيق النسيج الاجتماعي، ومنع أي تسوية حقيقية تحفظ وحدة السودان.
مشروع السيطرة.. ورفض الشعب السوداني
ليست هذه هي المرة الأولى التي تحاول فيها أبوظبي إعادة صياغة سيادة بلد عربي أو أفريقي بما يخدم مصالحها، فقد سبق أن فعلت الشيء ذاته في اليمن وليبيا وتونس، مستغلة الفوضى السياسية لتعزيز نفوذها العسكري والاقتصادي.
إلا أن السودان يختلف. فالشعب السوداني، بوعيه وكرامته المتجذرة، يرفض أن يتحوّل إلى “محمية” في مشروع أبوظبي التوسعي.
إن محاولات إعادة تشكيل الدولة السودانية، من خلال تدمير الجيش، وتفتيت مؤسسات الدولة، واستبدالها بمليشيات مرتزقة موالية للإمارات، هو مشروع استعماري جديد يرتدي قناع الاستثمار والوساطة السياسية، بينما هو في الحقيقة محاولة لتفكيك السودان وتحويله إلى دولة فاشلة تدور في فلك المحاور المعادية للحرية والكرامة والاستقلال.
السودان سينتصر وأبوظبي ستُفضح
رغم التواطؤ الأممي، وتآمر العواصم الكبرى، والبيانات الزائفة التي تصدرها بعثات أبوظبي، إلا أن الحقيقة لا يمكن دفنها.
فكل تقرير حُذفت منه إدانة سيظهر في المستقبل كوثيقة عار على المجتمع الدولي، وكل بيان احتفاء إماراتي سيتحول إلى دليل على جرم موثّق. والوعي السوداني، ومعه القوى الحرة في العالم، لن يسمح بتزييف التاريخ.
لقد بدأت إرادة السودان الحرة تُثبت نفسها في الميدان السياسي والدبلوماسي، بعد أن أثبت الجيش صموده في الميدان العسكري.
وسينتصر السودان، دولةً وأمةً، على الغزو الإماراتي المقنّع، وسيسقط مشروع الاستتباع مهما تلون، وستُهزم مؤامرات الشر في أبوظبي، التي لا تزال تحلم بإعادة التاريخ إلى الوراء.. بينما السودان ماضٍ نحو مستقبله الحر والمستقل، رغم كل المؤامرات.