مأساة جديدة تتكشف فصولها بعيدا عن أرض المعاناة الأولى. في قلب أوروبا، وتحديدا في سجون اليونان، يُكدّس لاجئو الحرب السودانية خلف القضبان، ليس لأنهم ارتكبوا جريمة، بل لأنهم هربوا من جحيم صُنع على أيدي آخرين، في مقدمتهم النظام الإماراتي الذي ساهم في إشعال نيران الحرب بأموال وسلاح وسياسة.

قوارب النجاة تتحول إلى قوارب سجن
صموئيل، طالب القانون البالغ من العمر 19 عاما، هو واحد من وجوه هذه المأساة، هرب من الجنينة غرب دارفور، المدينة التي شهدت واحدة من أفظع المجازر في الحرب السودانية الأخيرة، مجازر أحرقتها ميليشيات الدعم السريع المدعومة عسكريا وتمويليا من دولة الإمارات، وفق ما تؤكده تقارير حقوقية وإعلامية واسعة.
عبر صموئيل ليبيا براً ثم صعد إلى البحر المتوسط على قارب مهترئ مقابل دفع 12 ألف دينار ليبي، كانت حياته مرهونة برحلة لا يجيد حتى السباحة خلالها.
ولأن المهربين يحتاجون دائما إلى من يقود القارب لتقليل المخاطرة بهم، اختاروه هو، بلا خبرة أو تدريب، فصار بين خيارين: قيادة القارب أو الموت. لم يكن أمامه إلا أن يمسك بالدفة.
لكن المفارقة القاسية أن البحر لم يكن نهاية معاناته. بعد أن أنقذته سفينة شحن وأحضرته خفر السواحل اليوناني إلى كريت، تم توقيفه فوراً. لم يُعامل كضحية، بل كمهرب.
ووجد نفسه معتقلا في سجن أفلونا شمال أثينا مع خمسين سودانيا آخرين، جميعهم تقريبا ضحايا لنفس السيناريو.
قانون عقيم يحاكم الضحايا لا الجناة
في اليونان، تطبق سلطاتها قانون مكافحة التهريب الصارم الذي وُضع عام 2014، ويُحاكم بموجبه اللاجئون الذين قادوا القوارب باعتبارهم “مهربين”، وقد تصل الأحكام إلى 25 عاما سجناً.
رغم أن أغلب هؤلاء اللاجئين لم يجنوا أي مكاسب مالية، ولم يكن لهم أي ارتباط بشبكات تهريب حقيقية.
“القانون عديم الفائدة تماما”، بحسب وصف المحامي سبيروس بانتازيس، الذي يدافع عن صموئيل. “إنه لا يضرب شبكات التهريب، بل يملأ السجون بشباب ضعفاء ليس لديهم سجل جنائي، لم يرتكبوا أي جرم سوى أنهم أرادوا النجاة.”
الادعاء اليوناني يعتمد فقط على شهادات خفر السواحل، دون أي تسجيلات مرئية أو أدلة تقنية أو إثبات لمكاسب مالية، بل وحتى شهود الاتهام لن يمثلوا أمام المحكمة، مما يحرم صموئيل من أبسط حقوقه في محاكمة عادلة.
تدفق اللاجئين إلى كريت.. والسودانيون في الواجهة
جزيرة كريت أصبحت نقطة الدخول الأسرع نمواً للمهاجرين نحو أوروبا، مع استقبالها أكثر من 25% من جميع الوافدين إلى اليونان منذ يناير 2025. السودانيون، الذين كانوا سابقا رقماً هامشياً في لوائح طالبي اللجوء، أصبحوا اليوم رابع أكبر مجموعة في اليونان، متقدمين على السوريين والفلسطينيين.
ووفق مفوضية اللاجئين، فقد تضاعف عدد السودانيين الواصلين إلى كريت ست مرات خلال 2024 مقارنة بالعام الذي قبله. كل قصة تحمل وراءها رحلة رعب وهروب من جحيم دارفور وكردفان وأم درمان.
أحد هؤلاء هو جاستن أنغوي، 19 عاما، الذي شهد قتل والده قبل أن يفر، وعمل في ليبيا في سوبرماركت لجمع تكاليف رحلته إلى أوروبا. لكنه أيضا انتهى به المطاف خلف القضبان بتهمة التهريب، بعد أن قاد قارباً تحت التهديد.
الإمارات.. من الخرطوم إلى أثينا
وراء هذه القصص كلها خيط واضح يربط بدايات المأساة بنهايتها: دولة الإمارات.
منذ اليوم الأول للحرب السودانية الجديدة، لعبت أبوظبي دور الممول والمحرك الرئيسي لميليشيات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. وفرت الدعم العسكري، ومنحت غطاءً سياسياً لتحركات الدعم السريع على الأرض، بينما كانت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية تدق ناقوس الخطر حول جرائم حرب موثقة ومجازر جماعية، خصوصا في دارفور.
وفق تحقيقات منشورة في صحف دولية كـ”الغارديان” و”نيويورك تايمز”، أرسلت الإمارات أسلحة إلى الدعم السريع عبر مسارات معقدة عبر تشاد وليبيا، وغضت الطرف عن تجاوزات هذه الميليشيات ضد المدنيين. وكانت النتيجة: تهجير 13 مليون سوداني داخلياً وخارجياً، ومقتل عشرات الآلاف في عمليات تطهير عرقي موثقة.
صموئيل، جاستن، ومئات آخرون في السجون اليونانية هم نتيجة مباشرة لهذه السياسة المدمرة. لو لم تدعم أبوظبي الحرب، لما انهارت مدنهم ولماتوا غرقاً أو في السجون الأوروبية.
جريمة إضافية: تجريم الضحية
بحسب البروتوكول الأممي لمكافحة تهريب البشر، لا يجب تجريم المهاجر الذي يسعى فقط إلى إنقاذ نفسه. الباحثة في جامعة جورجتاون غابرييلا سانشيز تؤكد أن محاكمة صموئيل وجاستن تنتهك صراحة هذا البروتوكول.
“هؤلاء الشباب ليسوا مهربين”، تقول سانشيز، “بل هم ضحايا، ومعاملتهم بهذه الطريقة تجعل من أوروبا شريكة غير مباشرة في تعميق مأساتهم.”
وتضيف جوليا وينكلر، التي شاركت في تأليف تقرير حول الموضوع: “ما يحدث اليوم في كريت ليس حربا ضد التهريب، بل حرب ضد اللاجئين أنفسهم، وتجريم لفعل الهجرة الذي هو في جوهره حق إنساني”.
صمت رسمي وتجاهل إعلامي
وزارة الهجرة اليونانية ترفض التعليق على هذه الحالات، ووسائل الإعلام الأوروبية الكبرى تتجاهل غالباً الإشارة إلى أصل المأساة في السودان والدور الإماراتي في صناعة هذه الكارثة الإنسانية.
وحتى في تغطية محاكمات اللاجئين، نادراً ما يتم الحديث عن الظروف التي أجبرتهم على الهروب أو عن الفاعلين الحقيقيين الذين أوصلوهم إلى هذا المصير.
النهاية: بين السجن والضياع
اليوم، يقبع صموئيل وجاستن وآلاف غيرهم خلف القضبان ينتظرون محاكمات غير عادلة، بلا تواصل مع عائلاتهم، بلا أمل. حلمهم بالحياة تحوّل إلى كابوس.
والكارثة أن الفاعلين الحقيقيين – من قادة الحرب ومموليهم في الخليج – لا يزالون طلقاء، يبرمون الصفقات، ويقيمون الاحتفالات، فيما شباب السودان يُقتادون إلى مصير مظلم في سجون أوروبا.
هي مأساة تبدأ من الخرطوم، تمر بأبوظبي، وتنتهي في أثينا. مأساة اللاجئ السوداني الذي خانته الجغرافيا، وخذلته العدالة.
اقرأ أيضًا : النظام الإماراتي يستخدم إفريقيا الوسطى لإدامة الفوضى ونهب الذهب وتهريب السلاح