وصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى بيروت في زيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام، يُفترض أنها تأتي ضمن السياق الدبلوماسي المعتاد، إلا أن توقيتها الحرج، والقضايا المطروحة على جدول اللقاءات، تشير إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
عباس، الذي سيلتقي رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، يحمل معه أجندة غير معلنة تصبّ في خانة تصفية ما تبقّى من رمزية المقاومة الفلسطينية في لبنان، وتكريس نهج “التنسيق الأمني” خارج الأراضي المحتلة.
تأتي الزيارة بعد تسارع في الأحداث الإقليمية، من اتفاقات التطبيع المتجددة، إلى هدنة غير معلنة بين الاحتلال وحزب الله في جنوب لبنان، برعاية أمريكية وفرنسية.
في هذا المناخ، تحاول السلطة الفلسطينية، بقيادة عباس، الظهور بمظهر “الضامن للأمن” في المخيمات، بينما الحقيقة تشير إلى تحرك منسق مع الأطراف الدولية واللبنانية الرسمية لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية، خاصة تلك التي لا تدين له بالولاء، وعلى رأسها حركة “حماس” وتنظيمات الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية.
السلاح الفلسطيني على طاولة المساومة: الأمن مقابل التصفية
أحد الملفات الأكثر حساسية التي سيجري التداول بها خلال هذه الزيارة هو ملف السلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيمات.
ففي ظل القرار اللبناني الرسمي بحصر السلاح في يد الدولة، وبتوصية من مجلس الدفاع الأعلى، تلقّت حركة “حماس” تحذيراً واضحاً من استخدام الأراضي اللبنانية في أي عمليات عسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو تحذير لم يصدر عن الاحتلال ذاته، بل من الدولة اللبنانية ذاتها، ما يثير تساؤلات عن طبيعة الضغط الأميركي والخليجي الذي يُمارس في هذا الملف.
التحذير الذي وُجّه لحماس، تزامن مع توجه الحكومة اللبنانية لوضع سلاح “حزب الله” تحت يد الجيش اللبناني، وهو ما قد يفتح الباب واسعاً أمام استكمال مشروع تجريد كل القوى المسلحة خارج الدولة من سلاحها، خصوصاً الفلسطينيين، بحجة الأمن والسيادة.
لكن السؤال هنا: هل ما يجري هو مجرد “ترتيب للبيت اللبناني” كما تقول بعض الأطراف، أم أنه جزء من مشروع أكبر لتجريد المقاومة من آخر معاقلها خارج غزة، تمهيداً لفرض تسوية إقليمية شاملة على حساب الحقوق الفلسطينية؟
عباس.. وكيل للاحتلال في معركة نزع السلاح
من غير المفاجئ أن يكون محمود عباس هو من يتصدر هذا المشهد. فالرجل الذي قال علناً في الأمم المتحدة إنه “ضد عسكرة الانتفاضة”، والذي يقود منذ أكثر من عقدين التنسيق الأمني مع الاحتلال في الضفة الغربية، ليس سوى الوجه المدني لمشروع تصفية المقاومة.
زيارته للبنان لا تنفصل عن مسار طويل من “الخدمات المجانية” التي قدمتها السلطة للاحتلال، بدءاً من ملاحقة المقاومين في الضفة، ومروراً بمنع انتفاضات الداخل، وانتهاءً بتهميش فصائل المقاومة الرافضة لاتفاق أوسلو.
الأوساط الفلسطينية المستقلة تعتبر هذه الزيارة جزءاً من مهمة مشبوهة تهدف إلى إنهاء ما تبقى من التعددية السياسية والمقاومة المسلحة في المخيمات الفلسطينية بلبنان، لا سيما في ظل اشتباكات شاتيلا الأخيرة التي وفّرت “ذريعة أمنية” إضافية للدولة اللبنانية، كي تضغط أكثر على المخيمات. وتأتي هذه التحركات بعد توقف المعارك على جبهة جنوب لبنان، في إطار هدنة غير معلنة، ما يمنح مساحة سياسية للأطراف الداخلية لتمرير مشاريعها الأمنية.
والخطير في الأمر، أن نزع السلاح الفلسطيني في لبنان، وفقاً لتقارير لبنانية، ليس فقط مطلباً داخلياً بل هو جزء من صفقة دولية أشمل، تتضمن فرض تطبيق القرار الدولي 1701 وتفكيك كل المجموعات المسلحة غير الشرعية، في مقدمها حزب الله، ولكن دون استثناء الفصائل الفلسطينية.
المبعوثة الأميركية إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، أكدت على هذا صراحة، مشددة على أن نزع السلاح لا يقتصر على الجنوب، بل يشمل كامل الأراضي اللبنانية، ما يعني أن ما يُحاك ضد المقاومة ليس سوى امتداد طبيعي لما بدأ في الضفة وغزة.
توطين سياسي تدريجي: السيناريو الأخطر
وتسربت أنباء متقاطعة من مصادر إعلامية لبنانية عن وجود بند ضمن المحادثات اللبنانية الأميركية يتعلق بـ”المقاربة الجديدة” لقضية اللاجئين الفلسطينيين، إذ يُطرح اليوم مشروعٌ خفيّ يتضمن التمهيد لتوطين الفلسطينيين في لبنان، من خلال تغييب ملفات العودة وتفريغ المخيمات من سلاحها، وجعل الفلسطيني “مواطناً” بلا قضية، بما يتوافق مع رؤية إسرائيلية قديمة جديدة.
تسعى الإدارة الأميركية، بحسب التسريبات، إلى تحفيز لبنان على نزع السلاح الفلسطيني مقابل “دعم اقتصادي وتنموي”، أي أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قد يتحولون إلى ورقة مساومة في ملف التوطين، إذا ما جُرّدوا من سلاحهم ومن قدرتهم على الرفض، ليصبحوا مجرد أرقام في مشاريع التسوية النهائية.
خاتمة: زيارة عباس.. المهمة القذرة
زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى بيروت ليست زيارة مجاملة دبلوماسية، بل هي جزء من مشروع أوسع لتجريد المخيمات من رمزيتها النضالية، ونزع ما تبقى من قدرة الفلسطينيين على التأثير في المعادلة الإقليمية. هو لا يأتي إلى بيروت كممثل لقضية، بل كمبعوث “تنسيق أمني” يحمل في جيبه خريطة طريق يرسمها الاحتلال، وتنفذها السلطة، ويباركها المجتمع الدولي.
زيارة يبدو فيها عباس مجرد وكيل في مهمة قذرة: تصفية المقاومة، مقابل شرعية زائفة لا يملك منها سوى الاسم.
اقرأ أيضًا : مسيرة عالمية إلى معبر رفح لكسر الحصار.. وفضيحة تواطؤ السيسي مع الاحتلال تتجدد